هل تثق بالذكاء الاصطناعي لاختيار موظفيك؟ دراسة تكشف عن مفاجأة
يُعرف نظام "تعقّب المتقدمين إلى الوظائف" أو "ATS" بأنه البرنامج الآلي لإدارة طلبات التوظيف، الذي "يُفلتِر" السير الذاتية حسب قواعد وكلمات محددة وضعها مسؤولو التوظيف البشريون.
مشكلة هذا النظام أنه محدود بعض الشيء، سواء في آلية التقييم أو متطلباته (مثلًا: يتطلب أن تكون السيرة الذاتية مكتوبة بشكل مبسط)، ولهذا بات المسؤولون يعتمدون على حلولٍ أخرى أكثر ذكاءً ومرونة، لا سيما مع ظهور أدوات مثل ChatGPT وGemini وClaude، التي تُمثل نماذجها أساس أدوات التقييم المتطورة. لكن هل يمكن الاعتماد على هذه الأدوات بشكل كلي؟
دراسة تجيبك
نشرت مجلة "MIT Technology Review" تقريرًا في يوليو 2026 سلّط الضوء على مشكلة خطيرة، وهي أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون متحيزة في قراراتها بشكلٍ فج.
استند التقرير إلى دراسة اعتمد الباحثون فيها على عددٍ من نماذج OpenAI، وGoogle، وAnthropic (مطورة Claude)، وغيرها، داخل محاكاة خيالية لاتخاذ قرارات توظيف متتابعة.
أُبلغ كل نموذج بأنه يعمل مستشارًا لعمدة مدينة خيالية يتكون شعبها من 4 فئات، لنسمّهم "أ"، "ب"، "ج"، "د"، وطُلب من النماذج أداء دور مستشار توظيف لاختيار مرشحين لعشرين مهنة مختلفة على مدار 40 جولة، بهدف تحقيق أكبر عدد ممكن من التعيينات الناجحة.
وأخفى القائمون على الدراسة معلومة مهمة عن الذكاء الاصطناعي، وهي أن جميع المرشحين من كل المجموعات متساوون في المهارات وفرص النجاح، وهنا كانت المشكلة.
فالذكاء الاصطناعي بدأ يبني أحكامًا على الفئات من خلال المعلومات التي يعرفها فقط، فإذا فشل شخص من مجموعة معينة في وظيفة (لأي سبب)، أصبح النموذج أقل ميلًا إلى اختيار أشخاص آخرين من المجموعة نفسها. ومع الوقت، بدأ كل نموذج يربط بعض المجموعات بوظائف مُحددة ويحصرهم فيها، رُغم عدم وجود فرق في المهارات بين الموظفين كما أوضحنا.
النماذج المتقدمة أكثر تحيزًا
المفاجأة أن النماذج المتقدمة أظهرت درجة أكبر من التحيز، فالباحثون استخدموا مؤشرًا يقيس مدى حصر كل مجموعة في وظيفة معينة ووجدوا الآتي:
سجل المشاركون البشر (مسؤولو التوظيف البشريون) 0.84 نقطة، بينما بلغ متوسط النماذج المتقدمة 1.39 نقطة، أي أعلى بنحو 65%، في حين سجل نموذج OpenAI o3 وحده نحو 1.83 نقطة، وDeepSeek-R1 نحو 1.14 نقطة.
كما نرى، سجلت النماذج المتقدمة ميلًا أقوى إلى التحيز في جميع الظروف، وهذا لا يعني أن كل نموذج متقدم سيقع في نفس الفخ، لكن الشاهد أن زيادة القدرة على الاستدلال لا تضمن تلقائيًا أن يكون الذكاء الاصطناعي أكثر عدلًا.
تفسير تحيز الذكاء الاصطناعي
يكمن التفسير فيما يُعرف بـ "معضلة الاستكشاف والاستغلال" أو "Exploration-Exploitation Dilemma"، والمقصود بـ "الاستكشاف" هو تجربة خيارات جديدة لجمع معلومات أفضل، بينما يُقصد بـ "الاستغلال" الاعتماد على التجارب السابقة لتوفير الجهد والوقت.
في المحاكاة، تبين أن الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا النماذج المتقدمة، يميل بشدة للاعتماد على الاستغلال، فهو يستنتج أحكامًا عامة بناءً على عدد قليل جدًا من التجارب أو الأمثلة، تصل في بعض الأحيان إلى مثال واحد فقط، إذ قد يحكم على مجموعة كاملة من شخص واحد فيها كما أسلفنا الذكر.
هذا لا يعني بالضرورة أن خاصية "الاستغلال" سيئة دائمًا، حيث إنها تعتبر من أفضل الخيارات عندما يحاول الذكاء الاصطناعي حل مسألة رياضية أو اكتشاف نمط معين مثلًا، لكن عندما يُطبَّق هذا التعميم على البشر والمجموعات كما في الحالة التي تتناولها الدراسة، يتحول الأمر إلى مهزلة.
المثير أن الباحثين حاولوا الحد من هذا الانحياز بطرق شتى، مثل مطالبة الذكاء الاصطناعي بالتأني في التفكير، أو توجيهه بشكل مباشر ليكون عادلًا، لكن لم تكلل هذه المحاولات بالنجاح، والحقيقة أنه لا يوجد تفسير واضح لذلك نظرًا لأن التوجيهات العامة التي دُرِّبت عليها النماذج تظل غامضة، فـ الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يفهم مفهوم الأخلاق، وإنما يتعامل فقط مع أرقام ومعادلات.
الدليل على ذلك أن النتائج بدأت تتحسن عندما أُعطي الذكاء الاصطناعي معلومات فردية مباشرة وذات صلة بالقرار، مثل إعطائه تفاصيل عن التعليم والعمر بدلًا من التكهن بناءً على الفئة السكانية، أما التفاصيل غير المرتبطة بالقرار (مثل لون الشعر أو الشكل)، فلم تُحدث الفرق الذي يستحق الذكر.
ما الذي تريد الدراسة قوله؟
لا تُثبت الدراسة أننا لا نستطيع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في عملية التوظيف، فالمنهجية المُستخدمة لا تعني أن جميع الأنظمة الموجودة حاليًا ستتصرف بالطريقة نفسها (سيكون من المفارقة أن يقع الباحثون في نفس معضلة التعميم!).
تجربتنا جرت داخل محاكاة خيالية في نطاق زمني ضيق، أما في الواقع، فقد تمر أشهر قبل تقييم أداء الموظف، وقد يكون التقييم نفسه ناقصًا أو متأثرًا بعوامل مختلفة وكثيرة.
لكن هذا لا يعني أيضًا أننا نستطيع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في عملية التوظيف بشكل كامل، فإذا دُرِّبَت الأدوات على تقييمات الموظفين السابقة دون توجيه، فإنها قد تقع في خطأ التعميم وتعتبر الأنماط التي دُرِّبَت عليها دليلًا موضوعيًا.
لهذا السبب تتعامل جهات التوظيف مع أدوات الذكاء الاصطناعي بحساسية شديدة، ودائمًا ما تحاول أن تحدها بقوانين تمنع التمييز.
في النهاية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتدخل في جوانب مهمة مع وظيفة مسؤول الموارد البشرية، مثل تنظيم السير الذاتية وإعداد الأسئلة وجدولة المقابلات، لكنه لا يمكن أن يكون هو مسؤول الموارد البشرية.
