ما العلاقة بين البحث المستمر عن معنى الحياة والاحتراق الوظيفي؟
كشفت دراسة حديثة أن السعي المتواصل للبحث عن معنى وغايّة للحياة، دون امتلاك شعور مسبق ومستقر بوجودها، يرتبط بارتفاع معدلات الإصابة بالاحتراق الوظيفي في بيئة العمل.
وأوضحت النتائج التي نشرت في مجلة Journal of Health Psychology، أن إدراك المرء لغاية حياته يشكل حائط صد يحيطه للحماية من الإجهاد المهني، بينما يتحول البحث الدائم عن هذه الغاية إلى عامل استنزاف، ما يقدم فهمًا أكثر عمقًا لطبيعة التفاعل بين التطلع الداخلي وضغوط العمل المزمنة.
ويُعرف الاحتراق الوظيفي بأنه متلازمة تنتج عن الضغوط المستمرة في مكان العمل، وتتشكل عادة من ثلاثة أبعاد متكاملة؛ تبدأ بالإنهاك العاطفي والشعور بفقدان الطاقة، مرورًا بالشعور بالسلبية تجاه الوظيفة، وصولاً إلى الإحساس بالقصور والإخفاق في تحقيق الإنجازات المهنية.
تفكيك مفهوم المعنى بين الوجود والبحث
يعتمد علم النفس في تحليله لمفهوم المعنى في الحياة على الفصل بين جانبين أساسيين؛ الأول هو "وجود المعنى" والذي يعبر عن مدى شعور الفرد بأن لحياته قيمة واتجاهًا واضحين في الوقت الحالي، والثاني هو "البحث عن المعنى" والذي يشير إلى مدى نشاط الفرد في التفتيش عن هذه الغاية أو محاولة تعزيزها.
وكانت النظريات السابقة تفترض أن هاتين العمليتين تعملان بشكل تعويضي، بحيث يزداد بحث الإنسان عن المعنى تلقائيًا كلما شعر بفقدانه. غير أن نتائج "مشروع أبطال كوفيد-19"، الذي تتبع الكوادر الطبية والعاملين في الخطوط الأمامية بالمملكة المتحدة وإيرلندا على مدار ثلاثة أعوام متتالية، أظهرت ديناميكية مختلفة؛ إذ تبين أن تراجع الشعور بالمعنى تحت الضغوط المستمرة لم يرافقه ارتفاع في البحث عنه، ما أثبت أن المسارين يعملان بشكل مستقل ويؤثران بطرق مختلفة على الصحة النفسية.
نتائج الدراسة واقتران السعي بالإجهاد المهني
أظهرت التحليلات أن الأفراد الذين يمتلكون شعورًا عاليًا بوجود المعنى في حياتهم سجلوا مستويات أقل من الإنهاك والسلبية والشعور بعدم الكفاءة. وفي المقابل، ارتبط الاندفاع المستمر للبحث عن الغاية بارتفاع ملحوظ في جميع مؤشرات الاحتراق النفسي، سواء عند مقارنة الأفراد ببعضهم أو عند قياس التغيرات النفسية للشخص نفسه عبر الزمن.
وتجلت الخطورة الكبرى في حالة التفاعل بين الجانبين؛ إذ أدى انخفاض "وجود المعنى" بالتزامن مع ارتفاع "البحث عنه" إلى تسجيل أعلى مستويات الاحتراق النفسي. أما على صعيد الإنهاك العاطفي والشعور بعدم الجدوى، فقد تبين أن عملية البحث المتواصل عن الغاية تعد سلوكًا مستهلكًا للطاقة النفسية، وتزيد من الشعور بالإجهاد حتى لدى الأشخاص الذين يشعرون بالفعل بوجود قيمة لحياتهم.
حدود البحث والتفسيرات المحتملة
شدد الباحثون على أن النتائج تكشف عن وجود ارتباط شرطي ولا تؤكد علاقة سببية مباشرة، حيث يُحتمل أن يكون البحث عن المعنى مجرد حيلة دفاعية يمارسها الموظف كآلية للتكيف بعد ظهور البدايات الأولى للاحتراق النفسي، وليس سببًا مباشرًا له.
كما أشارت الدراسة إلى وجود بعض المحددات التي تحيط بالدراسة، ومنها تراجع عدد المشاركين الملتزمين بالاستبيانات السنوية من 1,239 مشاركًا في البداية إلى 286 مشاركًا في العام الأخير، إضافة إلى هيمنة الإناث على العينة بنسبة وصلت إلى 87%.
ورغم هذه الحدود، تبرز الدراسة أهمية بناء بيئات عمل داعمة تعزز الشعور بالغاية وتوفر شبكات أمان تنقذ الموظفين من الاستنزاف النفسي.
