تجاوزت إنفيديا بمرتين: قصة أغنى شركة في تاريخ البشرية
في الوقت الذي تتجاوز فيه القيمة السوقية لشركة "إنفيديا" حاجز الـ 5 تريليونات دولار لتسجل مستويات قياسية، لا تزال عملاقة التكنولوجيا بعيدة عن تحطيم الرقم القياسي لأعلى قيمة سوقية لشركة في تاريخ البشرية؛ فهذا العرش لا تعود ملكيته لشركة تكنولوجيا أو سيارات كهربائية، بل لشركة تأسست قبل أكثر من أربعة قرون وكان منتجها الأساسي هو "التوابل".
صراع أوروبا على تجارة التوابل وبداية الفكرة
في أواخر القرن السادس عشر، كانت التوابل مثل الفلفل والقرنفل والقرفة وجوزة الطيب تُعد من أغلى السلع في أوروبا، لاستخدامها في الأغذية والأدوية. وبينما كانت البرتغال تحتكر هذا المجال التجاري، حاول التجار الهولنديون إيجاد مسار مجدٍ نحو آسيا بعد إغلاق الطرق البرتغالية في وجههم.
وبعد رحلة استكشافية أولى عام 1595 أثبتت إمكانية الوصول إلى آسيا رغم ما تكبدته من خسائر بشرية كبيرة، بدأت الأساطيل الهولندية تتنافس فيما بينها.
غير أن هذا التنافس الداخلي أسفر عن نتائج عكسية؛ حيث تسبب في ارتفاع أسعار شراء التوابل في الأسواق الآسيوية، وانخفاض أسعار بيعها إلى أوروبا. وأمام هذه المنافسة القوية التي أضرّت بأرباح التجار، تدخلت الحكومة الهولندية لإنشاء كيان موحد يجمع كل المتنافسين وينهي هذه الصراعات التجارية.
ميلاد شركة الهند الشرقية الهولندية (VOC)
في عام 1602، جرى دمج المجموعات التجارية المتنافسة في كيان واحد عُرف بشركة الهند الشرقية الهولندية (VOC)، حيث جمعت مبلغًا أوليًا قدره 6.4 مليون غيلدر أي حوالي 3.5 مليون دولار.
ولم تكن "VOC" مجرد شركة تجارية عادية، بل صُممت لتعمل بشكل دائم عبر إصدار أسهم قابلة للتداول، ما ساهم في تأسيس أول سوق أسهم نشط في العالم. لكن الفارق الجوهري بينها وبين الشركات الحديثة هو أن الحكومة الهولندية منحتها صلاحيات تتجاوز التجارة لتتصرف كـ"دولة داخل دولة".
شركة بجيش خاص وهيمنة بالقوة
حصلت الشركة على احتكار كامل للتجارة الهولندية في المناطق الممتدة من إفريقيا إلى شرق اليابان، ومنحتها السلطات حق توقيع المعاهدات، وبناء الحصون، وتعيين الحكام، وتجهيز الجيوش والسفن الحربية، وسك العملات، وإعلان الحروب.
وتحت قيادة شخصيات صارمة مثل الحاكم العام "جان بيترزون كوين"، استخدمت الشركة القوة العسكرية للسيطرة على مناطق إنتاج التوابل واحتكارها بالقوة، حيث احتلت مدينة "جياكارتا" في جاوا عام 1619 وأعادت بناءها تحت اسم "باتافيا" (جاكرتا حاليًا) لتصبح مقرًا لمؤامراتها وتجارتها التي شملت إلى جانب التوابل: الشاي، والقهوة، والحرير، والمنسوجات.
تقييم تاريخي مرعب.. 7.4 تريليون دولار
وصلت الشركة إلى ذروتها في القرن الثامن عشر، حيث أدارت أسطولاً يضم نحو 150 سفينة تجارية و40 سفينة حربية، ووظفت ما يقارب 50 ألف شخص مع جيش خاص يضم 10 آلاف جندي.
في أوج ازدهارها عام 1720، بلغت القيمة السوقية للشركة 78 مليون غيلدر هولندي. ولأن هذا المبلغ كان يمثل حصة ضخمة جداً من حجم الاقتصاد العالمي في ذلك الوقت، يعادل حسابه بنسبة مماثلة من حجم الاقتصاد العالمي اليوم نحو 7.4 تريليون دولار؛ وهو رقم خيالي يتجاوز القيمة السوقية الحالية لشركة "إنفيديا" بفارق شاسع.
التراجع والسقوط الكبير
رغم الأرباح الهائلة، بدأت الشركة تعاني جمود هيكلها التنظيمي، وارتفاع تكاليف صيانة الجيوش والحصون، وانتشار الفساد الإداري بين موظفيها. كما تحول الطلب العالمي من التوابل إلى الشاي والقهوة التي واجهت فيها منافسة شديدة.
ومع اشتعال الحرب الإنجليزية الهولندية الرابعة عام 1780، تعرضت سفن الشركة للحصار والخسائر المالية الفادحة، ما دفعها للاقتراض لتغطية أرباح الأسهم حتى تراكمت عليها الديون.
وفي 31 ديسمبر 1799، انتهى عقد الشركة رسميًا واستولت الحكومة الهولندية على ديونها وممتلكاتها، لتسدل الستار على أضخم إمبراطورية تجارية شهدها التاريخ.
