هوس الفخامة.. لماذا يُدمن البعض شراء السلع الفاخرة؟
لا يملّ كثيرون من متابعة أحدث ما تكشف عنه العلامات التجارية الفاخرة، وما تطرحه باستمرار من منتجات جديدة تثير الشغف والفضول.
لكن هذا الشغف قد يتحول أحيانًا إلى هوس بالاقتناء؛ فنندفع إلى شراء كل ما يلفت أنظارنا من المنتجات الفاخرة، قبل أن يتلاشى بريقها سريعًا، لنبدأ رحلة البحث عن قطعة جديدة تمنحنا الشعور نفسه من جديد.
ولكن قبل أن يتملّكنا هذا الهوس، فقد نربط دون وعي بين اقتناء المنتجات الفاخرة والهوية الذاتية وكذلك المكانة الاجتماعية، علاوة على ما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي كلّ لحظة من منتجات فاخرة لا تُقاوَم، بينما يتفاعل العقل مع كلّ ذلك، لإطلاق الدوبامين الذي يدفعك إلى الشراء، فمتى تصير الفخامة هوسًا؟ وكيف يمكِن تجاوز ذلك؟
ما هو الهوس بالفخامة (Opulomania)؟
هوس الفخامة ليس اضطرابًا نفسيًا، بل آلية دفاعية نفسية كما يصفه جين جيربر مؤسّس شركة باراسيلسوس للتعافي "Paracelsus Recovery"؛ إذ يرى أنّها الحاجة القهرية للحصول على السلع الفاخرة لإدارة المشاعر المؤلمة؛ إذ تُبنَى الهوية الذاتية من خلال العلامات التجارية الفاخرة.
ويضيف جيربر أنّ ذلك يؤدي إلى دورة من السعي وخيبة الأمل، لا تختلف كثيرًا عن الإدمان، كما أشار أيضًا إلى أنّ هذا الهوس غالبًا ما يتشابك مع مشكلات نفسية أخرى، مثل الشعور بالوحدة أو التعرّض لصدمة أو القلق أو غير ذلك.
فهوس الفخامة لا يعني أن يكون المرء ماديًا أو أنّه يُفضِّل اختيار السلع الفاخرة على غيرها، بل رغبة تتملّك المرء لا يستطيع السيطرة عليها في اقتناء السلع الفاخرة.
سيكولوجية الفخامة.. حين تُعبِّر الفخامة عن ذاتنا
غالبًا ما يكون شراء منتجات العلامات التجارية الفاخرة مدفوعًا بتصورات بشأن الهوية الذاتية والذات المثالية وغيرها من دوافع ذاتية، ومفهوم كل امرءٍ لذاته مُتجدّد باستمرار.
ولأنّ المنتجات الفاخرة تنفرد بقدرتها على تغيير تصورنا عن هويتنا من خلال تغيير الذات، فإنّها تحقّق بعض الفوائد العاطفية المرغوبة، مثل احترام الذات ومشاعر اللذّة، مثل الرضا والقوة، حسب منصّة "Psychology today".
كما أظهرت الدراسات التي تستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أنّ العلامات التجارية المدروسة قد تنشّط القشرة الجبهية الأمامية الوسطى "Medial prefrontal cortex"، وهي منطقة من الدماغ تُشارِك في التأمّل الذاتي والهوية.
وهذا يعني أنّه عندما نحاول شراء منتَج فاخر، فإنّنا لا نُقيّمه فقط كما هو، بل نقيّم كيفية ارتباطه بإحساسنا بذواتنا أيضًا.
كذلك من أهم الأشياء التي تفعلها العلامات التجارية الفاخرة هو أنّها تخلق إحساس التفرّد، وهذا ما يجعل أسعار منتجاتها مختلفة تمامًا عن العلامات التجارية التقليدية، فمن يستطيع تحمّل شراء مُنتَج فاخر، يعني بالضرورة أنّه قد اشترى شيئًا نادرًا، وكثيرًا ما يرتبط السعر المرتفع بالقِيمة العالية والجودة كذلك.
كيف تؤثر المكانة الاجتماعية في قرارات الشراء؟
على مرّ القرون، كانت الفخامة مقتصِرة على الطبقة الأستقراطية فقط، ولم تكُن متاحة قديمًا إلّا للنبلاء من أعلى الرُتب، ولكن مع تغيّر العالم، تطوّرت أيضًا الموضة الفاخرة، وباتت الملابس الفاخرة اليوم مثلًا تخدم جهورًا أوسع، وكونها باهظة الثمن وفريدة من نوعها، يجعلها جذّابة لمن يسعون إلى التميّز عن الآخرين.
فاختيار المنتجات الفاخرة، سواء في الملابس أو السيارات أو غيرها، بما تحمله من شعار مرئي للعلامة التجارية الفاخرة يحمل دلالة واضحة على مكانة اجتماعية مرموقة، ومِنْ ثمّ فقد يُشكِّل الحفاظ على تلك المكانة وجهًا إضافيًا من وجوه الرغبة في اقتناء المنتجات الفاخرة.
عصر الصورة.. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الهوس بالفخامة
من الطبيعي في عصر الصورة أن يزداد الإقبال على السلع الفاخرة، فقد أسهمت منصّات التواصل الاجتماعي، مثل إنستجرام وإكس، في تسهيل الوصول إلى العلامات التجارية الفاخرة، التي كانت، تقليديًا، حكرًا على النخبة وكانت استراتيجياتها التسويقية تستهدف عملاء حصريين؛ إذ كانت الإعلانات تقتصر على المجلات الراقية والمناسبات الخاصّة، ولكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، تمكّنت العلامات التجارية الفاخرة من الوصول إلى شريحة أوسع من الجمهور.
وتُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي مرئية بطبيعتها، وقد أدّت هذه الطبيعة إلى تضخيم تأثير العلامات التجارية الفاخرة؛ إذ تعتمد منصّات مثل إنستجرام وبنترست على الصور ومقاطع الفيديو، ما يجعلها منصّات مثالية للعلامات التجارية الفاخرة لعرض ما لديها، وربّما أسهم ذلك دون أن نشعر في تعزيز الهوس بالفخامة، وكذلك توقّعات المستهلكين.
كيف يدفعنا الدوبامين إلى الشراء اللامتناهي للسلع الفاخرة؟
لم ترتبط الفخامة بالذات، ولم تعمّقها وسائل التواصل الاجتماعي عشوائيًا؛ إذ حين يُصبِح المرء مدمنًا على شراء حقائب اليد وسيارات لامبورجيني، فإنّ الأمر لا يتعلّق بالسلعة الفاخرة ذاتها بقدر ما يتعلّق بالدوبامين الذي يدفعه إلى تكرار الشراء؛ إذ اندفاع الدوبامين في أجسامنا الذي توفّره عملية شراء سلعة فاخرة هو ما يجعلنا أقرب إلى إدمان شرائها.
وقد كشفت دراسة عام 2008 في دورية "Social Cognitive and Affective Neuroscience" عن أنّ التجارب المدروسة تنشّط مسارات عصبية مُحدّدة، مرتبطة بالمُتعة والمكافأة والهوية الذاتية، ما يمنح فكرة تأثير الدوبامين في شراء السلع الفاخرة أساسًا علميًا.
نظام المكافأة الدماغي يتولّى السيطرة
فعندما نرى أو نلمس أو نفكّر في سلعة مُعينة، قد يبدأ نظام المكافأة في الدماغ في العمل، وهو النظام نفسه الذي ينشط في التجارب الممتعة الأخرى، مثل تناول الطعام اللذيذ، ويؤدي تنشيط هذا النظام إلى إطلاق الدوبامين، الذي يجعل السلعة أمامنا مرغوبة وربّما يصعب مقاومتها أيضًا.
ولكن الدوبامين لا يستمرّ مفعوله طويلًا، وهو يُحفَّز عن طريق التوقّع وليس الإنجاز، فعندما نشتري سلعة فاخرة، فكلّ ما نحصل عليه هو ارتفاع قصير الأمد في الدوبامين، وبعد فترةٍ وجيزة، نجد تلك المُتعة قد تلاشت، فنسعى إلى شراء سلعة أخرى تُعطِينا دفعة الدوبامين نفسها، دون الوصول إلى الرضا.
علامات تحول حب الفخامة إلى سلوك قهري
ثمّة علامات قد توحِي بأنّ شراء السلع الفاخرة بات إدمانًا وليس شراءً بقدر الحاجة أو الرغبة الطبيعية، ومن أهم تلك العلامات، حسب مركز باراسيلسوس للتعافي:
- التسوق من أجل الإحساس بالراحة وليس من أجل الضرورة أو المُتعة.
- الخوف الشديد من فوات فرصة الشراء؛ خصوصًا إذا تعلّق الأمر بأحدث أو أندر أو أكثر رموز المكانة تميزًا.
- استخدام السلع الفاخرة درعًا لكسب قبول الناس، أو إظهار الثقة، أو إخفاء الشكّ الذاتي العميق.
- غياب الإحساس بالفرحة في أي تجربة غير ماديّة.
كيف تبني مفهومًا صحيًا للفخامة؟
قد تبدو المشكلة أقرب ما تكون إلى إنفاق قهري على السلع الفاخرة نتيجة الهوس بها، لذا قد تساعد النصائح الآتية على تفادي ذلك السلوك القهري قدر الإمكان:
- الاستهلاك الواعي: يُفضّل ممارسة الاستهلاك الواعي الذي يجعلك تُفكِّر في دوافعك لشراء السلع الفاخرة: هل من أجل المُتعة الشخصية أم جلب القبول من الآخرين؛ إذ فهم الدوافع الحقيقية يساعد على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
- إعادة تعريف النجاح وتقدير الذات: ربّما ينبغي تحدّي التعريفات المجتمعية للنجاح المرتبطة بالممتلكات الفاخرة، وبدلًا من ذلك يُفضّل التركيز على تعزيز الشعور بقيمة الذات، المُعتمِد على قِيم المرء وعلاقاته ونموّه الشخصي بدلًا من الممتلكات.
- استكشاف مصادر بديلة لتنظيم المشاعر: سبق أن عرفت أنّ هوس الفخامة قد يكون محاولة لإدارة مشاعر مؤلمة، لذا فكِّر في طرق بديلة لإدارة تلك المشاعر، مثل تطوير مهاراتك أو البحث عن هواية جديدة أو الانخراط في تجارب ذات معنى بالنسبة لك.
ختامًا، ربّما نشتري سلعًا فاخرة دون أن نشعر أنّ لدينا هوسًا ما تجاهها، فالشراء هو الشراء، ولكن الدوافع هي ما يُميّز بين رغبتنا الحقيقة في شراء تلك السلع أم أنّ تصورنا عن ذاتنا وقِيمتنا بات مرتبطًا بها بدرجة أقرب إلى الهوس، ويُعدّ الاستهلاك الواعي بالتحقّق من الدوافع هو الخطوة الأولى لحمايتنا من هوس الفخامة.
