«وهم المليونير».. كيف يجعلنا النجاح الاستثنائي ننسى الحقيقة؟
تجذبنا قصص النجاح الكبيرة، خصوصًا عندما نسمع عن شخص بدأ مشروعًا صغيرًا، ثم تمكن مع الوقت من تحقيق ثروة ضخمة. لكن علم النفس المعرفي يحذر من أن التركيز على النتيجة فقط قد يجعلنا نكوّن توقعات غير واقعية، لأننا ننسى سؤالًا مهمًا: ما فرص حدوث هذا النجاح من الأساس؟
عندما تخدعنا صفات الأشخاص
ووفقًا لتقرير نشره موقع «Psychology Today»، يستعين عالم النفس أرتورو هيرنانديز بتجربة شهيرة أجراها دانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي لتوضيح هذه الفكرة.
في التجربة، يوصف شخص اسمه «ستيف» بأنه خجول وهادئ ومنظم، ويحب التفاصيل ويهتم بالنظام والترتيب، ثم يُطلب من المشاركين تحديد مهنته: هل هو طبيب أم مزارع أم بائع أم أمين مكتبة؟
غالبًا ما يختار الناس «أمين مكتبة»، لأن صفات ستيف تتفق مع الصورة التي يتخيلونها عن العاملين في هذه المهنة. لكن هذا التفكير يتجاهل عاملًا مهمًا، وهو عدد الأشخاص الذين يعملون في كل مهنة.
فعلى سبيل المثال، عدد العاملين في مجال المبيعات أكبر بكثير من عدد أمناء المكتبات، لذلك قد يكون من الناحية الاحتمالية ستيف بائعًا، حتى لو كانت صفاته تبدو أقرب إلى أمين المكتبة.
المليونير لا يخبرنا بكل الحقيقة
ووفقًا للتقرير، تظهر الطريقة نفسها في التفكير عند قراءة قصص أصحاب الملايين الذين بدأوا مشروعات بسيطة.
ومن الأمثلة على ذلك قصة ديك بورتيلو، الذي بدأ مشروعًا لبيع النقانق، ثم تمكن من بيع شركته مقابل مليار دولار، ليصبح من أصحاب الثروات الكبيرة.
قد تبدو القصة مشجعة، لأنها توحي بأن أي شخص يمكنه بدء مشروع صغير وتحقيق ثروة كبيرة مع الوقت، دون الحاجة إلى ابتكار منتج عالمي أو تأسيس شركة تكنولوجية ضخمة.
لكن المشكلة أن التركيز على شخص نجح يجعلنا ننسى آلاف الأشخاص الذين بدأوا مشروعات مشابهة ولم يصلوا إلى النتيجة نفسها.
تحيز البقاء.. لماذا نرى الناجحين فقط؟
ويشير تقرير «Psychology Today» إلى مفهوم «تحيز البقاء»، الذي يعني التركيز على الأشخاص الذين نجحوا، مع تجاهل الأشخاص الذين خاضوا التجربة نفسها ولم يحققوا النجاح.
ويبلغ عدد هؤلاء الملايين في الولايات المتحدة نحو ثلاثة ملايين شخص، من إجمالي سكان يقترب من 340 مليون نسمة. لكن وجود ملايين أصحاب الثروات لا يعني أن كل شخص يبدأ مشروعًا لديه فرصة كبيرة للوصول إلى ثروة ضخمة.
فتأسيس شركة قد يكون سهلًا نسبيًا، لكن الحفاظ عليها لسنوات طويلة وتحويلها إلى مشروع يساوي مليارات الدولارات أمر مختلف تمامًا.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، يستمر نحو ثلث الشركات لمدة عشر سنوات، بينما استمر مشروع بورتيلو نحو 50 عامًا قبل الوصول إلى صفقة المليار دولار.
لذلك، لا تكمن المشكلة في الاستفادة من قصص الناجحين، وإنما في الاعتقاد بأن تجربتهم تمثل الطريق المعتاد للنجاح، فقبل أن ننبهر بالنتيجة، من المهم أن نسأل عن عدد الأشخاص الذين حاولوا ولم يصلوا إليها، لأن فهم الاحتمالات قد يكون أهم من قصة النجاح نفسها.
