ليس حجم المعاناة بل من شاركك إياها.. لماذا يختلف كبار السن في طباعهم؟
تعكس مجتمعات كبار السن تباينًا سلوكيًا ونفسيًا ملحوظًا بين أفرادها، يتأرجح بين الاندماج الاجتماعي والحدة في الطباع.
ورغم الاعتقاد الشائع بأن هذا التفاوت يعود لحجم المعاناة أو الرفاهية في مراحل الحياة السابقة، تشير المعطيات إلى أن معظم كبار السن قد اختبروا بالفعل تحديات متقاربة، كالفقد، والتقاعد، والتراجع الصحي، والتغيرات الأسرية.
ويُعزى الاختلاف الفعلي في استقرارهم النفسي إلى جودة الدعم الاجتماعي الذي تلقوه خلال أزماتهم، ومدى توافر شبكة علاقات داعمة ساعدتهم على التكيف، وليس إلى طبيعة الأحداث بحد ذاتها.
المحنة نفسها.. نتائج مختلفة بحسب من كان حاضرًا
تُظهر الملاحظات الاجتماعية تفاوتاً كبيراً في استجابة الأفراد للأزمات الحياتية المتشابهة، مثل فقدان الوظيفة أو التعرض للتنمر أو فقدان شريك الحياة.
ويُعزى هذا التفاوت بشكل أساسي إلى طبيعة الاستجابة المحيطة ومستوى الدعم الاجتماعي؛ ففي حين يتجاوز البعض أزماتهم بمساندة شبكة علاقات حاضنة تشاركهم الأعباء، يواجه آخرون مضاعفات أعمق نتيجة العزلة أو غياب الدعم الفعّال.
وفي هذا السياق، استند موقع Bolde إلى أبحاث "شيلدون كوهين" من جامعة كارنيجي ميلون و"توماس ويلز"، والتي خلصت إلى أن الدعم الاجتماعي يمثل عاملاً وقائيًا يخفف بوضوح من تداعيات الضغوط على الصحة البدنية والرفاه النفسي.
دروس مختلفة تمامًا تتشكل مع الوقت
يؤدي تراكم التجارب الإيجابية مع الدعم الاجتماعي خلال الأزمات إلى تعزيز مرونة الفرد، وبناء قناعة راسخة بفعالية طلب المساعدة.
وفي المقابل، يؤدي التعامل الفردي المستمر مع الصعوبات إلى ترسيخ أنماط سلوكية دفاعية، تتجلى في الاعتماد المفرط على الذات، ورفض الدعم الخارجي، وكبت المشاعر.
وفي سياق التفسير العلمي لهذه الاستجابات، أظهرت دراسة للباحثتين في علم النفس التنموي "ميجان جونار" و"كاميليا هوستينار" من جامعة مينيسوتا، أن الدعم الاجتماعي يساهم في تشكيل نظام تنظيم التوتر في الجسم منذ الطفولة؛ حيث يؤدي التجاوب الإيجابي للداعمين دورًا محوريًا في تعديل آلية معالجة الجهاز العصبي للتهديدات والضغوط.
الشيخوخة تمنح تلك الدروس القديمة فرصًا كثيرة لتظهر مجددًا
تواجه الفئات العمرية المتقدمة تحديات جذرية تتمثل في التقاعد، وتراجع الحالة الصحية، وفقدان المقربين، وتقلص الروتين اليومي.
وفي هذا السياق، تؤكد المراجعات البحثية المتخصصة في المرونة النفسية أن قدرة كبار السن على التكيف مع هذه المتغيرات ترتبط طرديًا بمستوى الدعم الاجتماعي المتاح.
وتُظهر المعطيات أن هذا الدعم لا يستلزم اتساعًا في الدائرة الاجتماعية، بل يكتفي بروابط نوعية منتظمة -كالتواصل الدوري أو تفقد الجيران- ما يثبت أن فاعلية المساندة تكمن في قيمتها المعنوية والشعور الفعلي باهتمام الآخرين، وليس في حجم الشبكة الاجتماعية.
ليست معادلة حتمية
تُظهر الملاحظات السلوكية تباينًا في استجابات الأفراد للأزمات؛ إذ قد يُبدي من واجهوا الصعوبات بمفردهم مرونة وتعاطفًا، في حين قد يميل بعض من تلقوا دعمًا مستمرًا إلى الحدة.
وتتدخل عوامل متعددة في تشكيل هذه الاستجابات، أبرزها السمات الشخصية، والمحددات الصحية والاقتصادية والثقافية، وطبيعة الأزمة ذاتها، فضلاً عن إمكانية تطور الانفتاح النفسي في مراحل عمرية متأخرة.
ورغم تراكم الخسائر المبررة للقسوة في مرحلة الشيخوخة، يحتفظ كثيرون بمرونتهم النفسية، وهو ما يُعزى غالبًا إلى توافر المساندة الفعلية خلال الأزمات، وليس بالضرورة إلى النجاة المطلقة من المعاناة.
