ندم المشتري: لماذا قد نندم على شراء ما نحب؟
أخيرًا اشتريت السيارة التي كُنت تحلم بها بعد أن شاهدت عشرات مقاطع الفيديو الدعائية لها، وطالعت آراء رُوّاد منصات التواصل الاجتماعي بشأن الإمكانات الفريدة لتلك السيّارة، وبينما تُجرّب قيادتها لأول مرة، ربّما سألت نفسك هل كانت تستحقّ تلك السيارة الثمن الذي دفعته من أجلها؟
أيًا كان جوابك، فإنّ هذا الندم له مفهوم يُعرَف "بندم المشتري"، فاللهفة قبل الشراء قد تنقلب ندمًا بعده، وهذا طبيعي وسط الإعلانات الهائلة التي لا تتوقّف عن التلاعُب بعواطفك، ولكن هناك شعرة دقيقة تفصل بين قرارات الشراء العاطفية والمنطقية، فهل الندم بعد الشراء منطقي أم بسبب اندفاع في الشراء دون تمهّل؟
سيكولوجية الشراء.. هل نشتري ما نرغب به حقًا؟
سيكولوجية الشراء بإيجاز هو معرفة كيف تؤثّر المعتقدات الداخلية والعواطف والتأثيرات الخارجية على الطريقة التي نتّخذ بها قرارات الشراء، وليس اعتمادًا على المنطقية أو السعر، بل الأنماط اللاواعية والمحفّزات العاطفية التي تدفعنا دفعًا إلى الشراء.
وحسب "WPFunnels"، تتضمّن سيكولوجية المشتري مزيجًا من التحفيز والإدراك والانحيازات المعرفية والتأثير الاجتماعي، التي تتفاعل معًا لتُشكّل قراراتنا؛ غالبًا دون أن نُدرِك ذلك.
فمثلًا قد نُبرِّر عملية الشراء منطقيًا، لكن الحقيقة أنّ معظم قرارات الشراء عاطفية في جوهرها، وهو ما قد يجعلنا نشعر بالندم بعد الشراء.
ما هو ندم المشتري (Buyer's Remorse)؟
هو الندم الشديد الذي يصِيبنا أحيانًا بعد عملية شراء كبيرة، مثل سيارة أو منزل، أو صغيرة، مثل حقيبة جديدة أو مجموعة من مضارب الجولف، بل قد يصِيب الندم بعض الناس بمجرّد أن يدلفوا إلى المتجر.
وليس هناك سبب واحد للندم، ولكن ربّما يكون ناجمًا عن إنفاقٍ زائد أو شراءٍ اندفاعي، أو ربّما القلق من أن يكون المرء قد فوّت شيئًا أفضل في السوق بعد أن اشترى منزلًا جديدًا، أو أحيانًا ينبع الندم من إحساس بعض المشترين أنّهم لم يتخذوا قرارًا صائبًا في عملية الشراء تلك.
وهذا الندم ليس شيئًا نادرًا، بل يشعر به كثير من الناس في مرحلة ما من حياتهم؛ إذ بيّن استطلاع حديث أجرته شركة "Bankrate" أنّ 64% من جِيل الألفية يُشكّكون الآن في مشترياتهم الأخيرة من المنازل، كما أشار عديد من أصحاب المنازل لأول مرة إلى تكاليف الصيانة غير المتوقعة والإنفاق الذي استوفى ميزانيتهم بالكامل، باعتبارها الأسباب الرئيسة لندمهم.
لماذا تكون رغبتنا في المنتجات قبل امتلاكها أكثر من بعدها؟
بالتأكيد ثمّة ما يحفّزنا على الشراء ويجعلنا نكاد ننفِق كلّ ما في جيوبنا لشراء كلّ شيء من حولنا، فكيف ستهرب من الإعلانات المُوجّهة خصيصًا لك والتي ترسِلها الخوارزميات إليك مرة تلو الأخرى؟ أم كيف تتجاهل ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي بشأن منتَج أحدث فرقًا كبيرًا في حياتهم ولم تشتريه بعد؟
لنتناول ما يحفّزنا على عمليات الشراء الاندفاعية بشيءٍ من التفصيل:
1. أدوات إعادة التسويق والإعلانات المُستهدفة
عندما تخرج من موقع ويب دون أن تشتري شيئًا، فأنت أصبحت تلقائيًا هدفًا لحملات إعادة التسويق، وربّما عبر تكتيكات خفيّة، مثل إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرض لك المنتج نفسه الذي غادرت صفحته للتوّ أو ما يشبِهه، أو ربّما بالأسئلة المتطفّلة نحو "هل نسيت شيئًا؟"، أو غير ذلك من الطرق التي تجعل الإعلانات تحتل شاشتك.
وهذه العملية من إعادة التسويق تترك أثرًا نفسيًا، وتُعِيد تذكيرك بالمنتَج الذي لم تشتريه، وهل لو قاومت رغبة الشراء اليوم، ستظلّ قادرًا على المقاومة لو استمرّت الإعلانات أمامك كلّ يوم؟
2. الخوف من فوات فُرصة الشراء (FOMO)
كثيرٌ من الناس يشترون المنتجات فقط لالتقاط صورٍ لأنفسهم معها ثُمّ نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن للصورة تأثيرها النفسي الذي قد يمتدّ لجيبك أو بطاقتك الائتمانية لاحقًا.
فالخوف من أن تفوّت تلك المُتعة التي تعرضها الصورة، والتي لم ينشرها صاحبها إلّا بعد شراء المنتَج الذي يجعل الآخرين يظنّون أنّه سبب سعادته، ربّما يدفعك تلقائيًا إلى البحث عن المنتج ذاته كي تسعد أنت أيضًا.
ولكن قبل أن تندفع في الشراء، ينبغي أن تُذكّر نفسك أنّ أغلب منشورات وسائل التواصل الاجتماعي تُنشَر لجذب رد فعلٍ عاطفي بالدرجة الأولى وليست بناءً على المنطق أو العقلانية، وربّما تكون بحاجةٍ في بعض الأحيان إلى استخدام خاصيّة إلغاء المُتابعة.
كيف تؤثر الرفاهية والفخامة على قرار الشراء؟
قد ينطبق ما سبق على المنتجات الفاخِرة ولكن ثمّة أمور أعمق وراء شراء المنتجات الفاخرة، وربّما لو لم نُدرِك سبب الشراء تحديدًا، فإنّ الندم نتيجة محتملة.
فغالبًا لا نتخذ قرارات الشراء فيما يتعلّق بالرفاهية والفخامة بعقلانية، وإنّما عاطفيًا؛ إذ إنّ المنتجات الفاخرة تمنحنا شعورًا بالتفرّد والتميّز والهيمنة، وهذه التأثيرات العاطفية جزء أساسي في صناعة السلع الفاخرة.
وقد صاغ عالِم الاجتماع الأمريكي "ثورستين فيبلين" مصطلح "الاستهلاك اللافت للأنظار" قائلًا: "فالرفاهية تهدف إلى إبراز النجاح علنًا، فيُصبِح الاستهلاك جزءًا من التعبير عن الذات".
حصرية المنتجات الفاخرة تجعلنا نستسلم لشرائها
كذلك فإنّ الحصرية في تسويق المنتجات الفاخرة، وأنّ الحصول على منتج منها أمر صعب، يجعلها أشدّ جذبًا في نظرنا، فالعلامات التجارية الفاخرة، مثل غوتشي وديور، تستخدم إصدارات محدودة وقوائم انتظار لخلق النُدرة.
وتُعدّ هذه الاستراتيجية فاعِلة نفسيًا، فالمنتجات الحصرية تجعل المرء يشعر بالتميّز، فيصبِح الشراء من العلامة التجارية علامة على التفرّد عن الآخرين.
كيف تتجنّب الندم بعد الشراء؟
إذا شعرت بندمٍ يسري في نفسك بعد عملية شراءٍ حديثة، فقد تساعدك النصائح الآتية على تجاوز هذا الندم واستعادة التوازن في قرارات الشراء اللاحقة:
1. حاوِل إرجاع المشتريات الصغيرة
إذا كُنت اشتريت أشياءً صغيرة للتوّ، مثل ملابس جديدة، فقد تساعد إعادة هذه المشتريات على التخلّص من مشاعر الندم.
2. أدِر نفقاتك بميزانية مُحكَمة
بدلًا من أن تلوم نفسك على الإنفاق الزائد، أنشِئ ميزانية تساعدك على فهم أين تذهب أموالك وكيف تستعيد السيطرة من جديد، فهذا يحدّ من الإنفاق الاندفاعي، ويعِينك على اتخاذ قرارات مالية أفضل مستقبلًا.
ومن أهم قواعد الإنفاق التي يمكنك الاختيار من بينها:
قاعدة الـ24 ساعة
يقترح بعض خبراء التمويل الشخصي إعداد الميزانية وفقًا لتلك القاعدة للحد من الإنفاق غير المُخطّط له، بالانتظار ساعة كاملة قبل شراء المنتَج، أمّا بالنسبة للمشتريات الأكبر حجمًا، يُوصِي الخبراء بالانتظار لمدة 24 ساعة مقابل كل 100 دولار من سعر المُنتَج، فمثلًا لو كُنت ستشتري حاسوبًا محمولًا بقِيمة 2,000 دولار، فستحتاج إلى الانتظار 20 يومًا قبل أن تشتريه، فهذه المدة تمنحك الوقت الكافي لاستكشاف خياراتك والبحث عن أفضل منتَج يناسِب احتياجاتك.
صناديق التغطية
هي وسيلة أخرى لتوفير المال، ويمكِن أن تساعدك على إدارة الندم بعد الشراء، فهذا الصندوق يوفّر المال لعملية شراءٍ مُحدّدة؛ إذ يمكِنك استخدامه لشراء مُشتريات كبيرة، مثل دفعة أولى لشراء منزل، كما أنّ بمقدورك تخصيص مبلغ شهري مثلًا للوصول إلى هدف الادخار الذي حدّدته.
3. سَل نفسك علام الندم؟
مفيدٌ أن تعرف سبب ندمك بعد الشراء، هل كان بسبب التكاليف غير المتوقّعة؟ أم أنّك تتساءل عمّا إذا كانت هناك صفقة أفضل في مكان آخر؟ أم أنّ ما اشتريته لم يرق لمستوى توقّعاتك؟
قد يكون طبيعيًا أن تقلق بعد عملية شراء كبيرة، ومِنْ ثمّ إذا ندمت بعد شراء منزل أو سيارة جديدة، فربّما أنت بحاجةٍ إلى مراجعة أسباب شرائك ابتداءً، وحِينها قد تستعيد ثقتك مرة أخرى، وتستذكر الفوائد من عملية الشراء تلك، وربّما تكون أقل ندمًا في مُشترياتك القادمة.
