ألم الدفع النقدي.. 4 حيل نفسية تحد من استنزاف أموالك في عصر الدفع الرقمي
عندما تُخرِج أموالًا من محفظتك لشراء شيءٍ أعجبك، هل تكون مسرورًا أم منزعجًا بعض الشيء؛ إذ المال يغادِر محفظتك أمام عينيك إلى غير رجعة؟
أمّا لو كُنت تدفع عبر بطاقة ائتمان أو بنقرة واحدة في متجرٍ إلكتروني؛ فهل يتملّكك نفس الانزعاج، أم أنّ دفعك للأموال يكون أسرع وبلا تردد؟
المال لا يغادِر جيوبنا فحسب، بل أيضًا يأخذ نصيبًا من نفوسنا، فألم الدفع ظاهرة حقيقية درسها الباحثون، وتعني ببساطة أنّ الدفع النقدي مؤلِم بالفعل لنفوسنا، ولذا فإنّنا قد نميل إلى الدفع عبر البطاقات الائتمانية أو غيرها من الوسائل التي تُسكّن ألم الدفع هذا.
صحيح أنّنا نشتري أغلب ما نريده بتلك الطرق دون أن نعاين الألم غالبًا، ولكن تظلّ أموالنا تحت طائلة استنزاف الشركات والمتاجر الإلكترونية وغيرها، فهل ينبغي أن تعود للدفع النقدي حفاظًا على ميزانيتك أم أنّ هناك حيلاً تُجنّبك هذا الاستنزاف؟
ما مفهوم ألم الدفع في الاقتصاد السلوكي؟
صِيغ مفهوم ألم الدفع في أطروحة الدكتوراه التي قدّمها "عوفر زيلرماير" في جامعة كارنيجي في ميلون؛ إذ انتهى من أطروحته وقدّمها في ديسمبر 1996، ومنذ ذلك الحين بات ألم الدفع ظاهرة يطرحها الاقتصاديون السلوكيون المعاصرون، مثل دان أريلي.
وألم الدفع هو ظاهرة نفسية؛ إذ يؤدِّي دفع المال نقدًا إلى تنشيط مناطق الدماغ التي تعالِج الألم الجسدي والاشمئزاز (القشرة الجزيرية الأمامية)، كما أنّ تنشيط تلك المنطقة يزداد عندما يبدو سعر المنتَج مرتفعًا أمامك بشكلٍ غير عادِل.
ووجد الباحثون حسب دراسة عام 2007 في دورية "Neuron" أنّ قرارات الشراء تتضمّن مقايضة بين المتعة المحتملة لاقتناء المنتَج مقابل ألم الدفع، وكانت الأسعار التي يُنظَر إليها على أنّها باهظة للغاية، من المرجّح أن تؤدي إلى تنشيط القشرة الجزيرية الأمامية، وتزيد الألم الناجم عن الدفع.
لماذا يبدو الدفع النقدي أكثر إيلامًا من بطاقات الائتمان؟
عندما تسحب نقودًا من محفظتك، فأنت تشعر بها وهي تغادر من بين يديك دون رجعة، بينما عندما تستخدم بطاقة الائتمان، ينتقل الألم إلى المستقبَل؛ إذ يُدفَع المبلغ بزيادات صغيرة مستقبلًا.
فبطاقات الائتمان لا تكتفي بإتاحة فرصة الشراء دون أن تمتلك ما يكفي من المال فقط، بل إنّها تقلب الميزان أيضًا عندما يزِن عقلك الألم مقابل فائدة الشراء، فتلغي شعور الألم وتبقى لذّة الشراء، وهذا بذاته تهديد لمن يفتقرون إلى الانضباط المالي.
كيف سكّنت التقنيات الحديثة ألم الدفع لدينا؟
منذ عام 2007 سنة صدور الدراسة، تطوّرت تقنية الدفع على نحوٍ غير مسبوق، وكلّ ابتكار كان له طريقته في تخفيف ما تبقّى من ألم الدفع:
1. البطاقات غير التلامسية
تُعدّ البطاقات غير التلامسية أقل إيلامًا من بطاقات الائتمان التقليدية؛ إذ بيّنت دراسة هولندية عام 2024 في مجلة السلوك الاقتصادي والتنظيم أنّ المدفوعات غير التلامسية هي الأخفّ ألمًا من أي وسيلة دفع تعتمد على البطاقة، كما صنّفها المستخدِمون على أنّها الأقل فائدة في منع الإفراط في الإنفاق.
2. المدفوعات عبر الهاتف المحمول
كذلك الأمر عندما تدفع باستخدام هاتفك، فمعاملة الدفع غير مرئية، لا محفظة ولا بطاقة، فقط نقرة واحدة، وتُسحَب أموالك.
وقد رصد البحث المنشور عام 2024 في مجلة "PsyCh" سبب نجاح طريقة الدفع تلك، فأولًا لن تلمس أبدًا أي تغيير مادي في أموالك، وثانيًا هاتفك له وظائف مختلفة، والدفع شيء واحد منها فقط، فهو ليس أداة مُخصّصة للإنفاق مثل بطاقة الائتمان، لذا فإنّ عملية الدفع لا تلفت انتباهك بشدّة.
ولكن المفارقة هُنا أنّ المتعة قد تحضر وليس تخدير الألم فحسب؛ إذ وجد الباحثون أنّ الدفع عبر الهاتف المحمول أدّى إلى "متعة الدفع" عند شراء مشتريات صغيرة.
3. خدمات الاشتراك
تستفيد بعض المنصات من خدمات الاشتراك، مثل نت فليكس وأمازون برايم؛ إذ من خلال تحويل المشتريات (اشتراكك في تلك الحالة) إلى رسوم شهرية أنت على درايةٍ بها بالفعل، فهُم قد أزاحوا ألم المعاملة المالية، فلا تشعر بأنّك أقدمت على عملية شراءٍ لشيء تقدر على الوصول إليه بالفعل.
4. الطلب بنقرة واحدة
ربّما تكون ميزة الشراء بنقرة واحدة من المتاجر الإلكترونية هي أوضح تجلٍّ للدفع غير المؤلِم؛ إذ تنقلك رحلة الشراء من مجرّد رغبة أو فضول تجاه المنتَج إلى شحنه إليك بنقرة واحدة، ولست حتى مضطرًا إلى رؤية بطاقتك، بل القرار اتُخذ بالفعل، وضغطت على طلب الشراء.
هل ألم الدفع مماثل بين كلّ الناس؟
طوّر الباحثون ما يُعرَف "بمقياس المقتصِد-المسرف" لقياس الفروق الفردية في آلام الدفع؛ إذ يشعر الأشخاص "المقتصِدون" بألم أكبر عند الإنفاق، بينما يشعر المسرفون بألم أقل.
وهذا يفسّر سبب معاناة بعض الأشخاص من كلّ معاملة شراء، بينما ينفِق آخرون بحرية مُطلقة.
ولكن المفارقة هُنا أنّ الأشخاص المقتصِدين حسّاسون للغاية لطرق الدفع التي تقلّل الألم، بل هم الأكثر احتمالًا للانتقال من النقد إلى البطاقات إلى المحافظ المحمولة عندما يكون ذلك في متناول أيديهم؛ إذ تسعى أدمغتهم بجدية إلى تخفيف الألم الناجم عن الإنفاق.
كيف تستخدم الشركات مفهوم ألم الدفع لزيادة المبيعات؟
تجاوزت ديون بطاقات الائتمان الأمريكية أخيرًا 1.2 تريليون دولار؛ بل إنّ أكثر من 40% من الأمريكيين لا يستخدمون النقود لإجراء أي عمليات شراء في الأسبوع العادي.
وقد استغلّت الشركات هذا الأمر، فكُلّما كان احتكاك الناس بعملية الدفع أقل، نجحوا في بيع مزيدٍ من المنتجات لهم.
فمثلًا عمليات الشراء بنقرة واحدة التي قامت بها أمازون أدّت إلى زيادة معدلات التحويل (الشراء) بنسبة تراوح بين 5% إلى 10%، ليس فقط لأنّ النقرة الواحدة يسيرة، ولكن لأنّها أيضًا تقلّل من وطأة ألم الدفع على النفس.
وبالنسبة للمستهلكين، فينبغي أن يكونوا على دراية تامّة بأنّه كُلّما كان الدفع أسهل، بات التحكّم في الإنفاق أصعب.
استراتيجيات تساعد على التحكم في الإنفاق الرقمي
ليس سهلًا أبدًا أن تقاوِم رغبتك في شراء شيءٍ ما بنقرة واحدة، أو الاعتماد على بطاقتك الائتمانية في شراء كلّ ما تحتاج إليه. نعم قد يقلّل ذلك ألم خروج المال أمام عينيك من محفظتك، ولكن السيطرة على أموالك تتطلّب انضباطًا عاليًا، وفيما يلي بعض النصائح التي تعِينك على كسْر سيطرة البطاقات الائتمانية ووسائل الدفع الرقمية، حسب منصة "Psychology today":
1. سجّل نفقاتك
بدايةً حاول أن تحتفظ بسجل إنفاقك، وبالتأكيد لا يمكِن لأحد أن يمنعك من الدفع ببطاقتك البنكية أو هاتفك المحمول، ولكن عندما تودّ إكمال عملية شراء، توقّف للحظة وسجّلها أولًا، سواء في مفكّرة لديك أو من خلال تطبيق تدوين الملاحظات في هاتفك.
ولا يهم عدد المرات التي تُراجِع فيها هذه الملاحظات (رغم أهمية ذلك لضبط ميزانيتك)، ولكن الأهم هو تسجيل المشتريات، ومِنْ ثمّ مُعاينة بعض الألم للأسف.
ومن الأفضل دومًا تسجيل المشتريات قبل الدفع، فهذا قد يجعلك تفكّر مرتين، لكن إن أزعجك ذلك، فسجّل ما اشتريته بعد الدفع مباشرةً.
2. ضع البطاقة في مكان لا تصل إليه بسهولة
جرّب في المرة القادمة التي تتسوّق فيها أن تضع بطاقة الخصم أو الائتمان في مكان يصعب الوصول إليه، مثل جيب داخلي بسحّاب، واستمرّ في التسوق كالمُعتاد.
ولو كُنت تتسوّق عبر الإنترنت معظم وقتك، فاحتفظ ببطاقتك في غرفة مختلفة عن التي تجلس فيها عادةً، وأجبِر نفسك على استرجاعها من هناك في كل مرة.
3. فكّر لثانية واحدة فقط
هل يتخذ عقلك قرارًا منطقيًا أم أنّه يخدعك بينما أنت على وشك دفع أموالك وشراء شيءٍ ما الآن؟
يتلخّص هذا الأمر في نظرية الاستعلام "Query Theory"، وهي نظرية نفسية طوّرها إلكي ويبر وإريك جونسون؛ مفادها أنّ الترتيب الذي يولِّد به الدماغ الحجج له اعتبار، وأنّه يمكِن التلاعب به عن عمد.
ومن الطبيعي أن تكون لديك حجج لخيار واحد أولًا، ثُمّ لاحقًا للخيار الآخر، ولكن الحجج السابقة تؤثّر في اللاحقة، لذا فإنّ الخيار الذي يأتي على خاطرك أولًا يحمل الأولوية غالبًا.
وعند التسوّق، غالبًا ما يكون الخيار الأول هو الشراء، فالمنتَج أمامك، وكلّ شيء من حولك يكاد يصرخ فيك أن تشتريه، لذا من المرجّح أن تدفع وتشتري أكثر حتى مما كُنت تتمنى.
الآن أدركت ما نرمي إليه، أليس كذلك؟ عندما تفكّر في الشراء؛ أعطِ نفسك ثانية واحدة وفكّر عمدًا في سبب أو اثنين يمنعانك من شراء هذا المنتَج بعينه، ثُمّ استمر في التفكير في الأمر.
الحقيقة أنّك قد تتفاجأ من عدد المرات التي لن تشتري فيها بعد أن كُنت على وشك الدفع في شيء كُنت تراه يستحق وأنّك لن تستطيع العيش من دونه.
4. تخدير الرضا عن الشراء
اكتب قائمة انتظار لديك تحت عنوان "أنا أشتري هذا"، وعندما تقرّر شراء شيء ما غير ضروري، لا تفعل ذلك، واكتبه في تلك القائمة بدلًا من شرائه، مع التاريخ وربّما رابط الموقع الإلكتروني.
ولكن انتبه، فأنت لا تنتظر اتخاذ القرار، بل اتخذته بالفعل وقرّرت الشراء، وبالفعل ربّما تشتري المنتَج بعد يومين من اتخاذ القرار، ثُمّ تحذفه من القائمة.
إذًا أين الحيلة في ذلك؟ الحيلة ببساطة هو نقل إحساس الرضا الناجم عن الشراء إلى شكل كتابةٍ في القائمة، وهذا قد حدث، فلقد قرّرت الشراء، ولكنّك لم تشترِ على الفور، وعندما حان وقت الشراء فعليًا، يكون الاندفاع النفسي تجاه الشراء قد هدأ، وبمرور الوقت، قد تجد هذا الاندفاع قد اختفى.
ومع المواظبة على ذلك، فكُلّما واتتك رغبة في شراء شيءٍ ما، ستكون عملية الشراء شاقّة بالنسبة لك، وهذا سيساعدك في النهاية على حماية أموالك من استنزافها بالبطاقات.
5. الجمع بين كلّ ما سبق
ليس الأمر سهلًا بكلّ تأكيد، وربّما ترغب في تغيير جذري ينهِي حالة الأسْر لتلك البطاقات الصغيرة، لذا ابدأ دائمًا بالتفكير في سبب عدم الشراء، ثُمّ ضع المشتريات على قائمة الانتظار، ثُمّ أجبِر نفسك على الدفع نقدًا.
ختامًا، ألم الدفع ليس تعبيرًا مجازيًا، بل هو حقيقي؛ إذ الدفع النقدي ينشّط مناطق الألم في أدمغتنا، وربّما يزداد نشاطها كلّما كان السعر مرتفعًا بالنسبة لنا، وصحيح أنّ البطاقات البنكية والمدفوعات عبر الهاتف أسهمت في تقليل وطأة هذا الألم، ولكن كان لذلك ثمنه من أماننا المالي، لذا حاول أن تسجّل نفقاتك أولًا بأول وخُذ وقتك للتفكير قبل أن تشتري شيئًا.
