عمليات التجميل.. لماذا يندم كثيرون بعد السعي إلى المظهر المثالي؟
لم يسبق أن أحاطتنا صور المشاهير والمؤثرين بهذا الزخم، ولا سيما مع انتشار عمليات التجميل التي تمنحهم مظهرًا يبدو مثاليًا. لكن خلف هذه الصور، قد يختبئ الندم؛ فبعض الإجراءات، مثل إزالة دهون الخد، قد تمنح الوجه مظهرًا منحوتًا في البداية، ثم تجعله أكثر نحولًا وعظمية مع التقدم في العمر.
فكيف تتحول عمليات التجميل من وسيلة لتعزيز الثقة بالنفس إلى سبب للندم؟ وكيف يمكن التعافي نفسيًا وتجنب هذا الشعور؟
التوجّه نحو عمليات التجميل يزداد كلّ يوم
في المملكة المتحدة مثلًا، يستمرّ الإقبال على جراحات التجميل؛ إذ كشفت الأرقام الأخيرة الصادرة عن مراجعة الجمعية البريطانية لجرّاحي التجميل "BAAPS" للفترة 2024 - 2025 عن زيادة إجمالية بنسبة 5% في تلك العمليات، ما يعني زيادة الإقبال ربّما في محاولة لتحسين الصورة الذاتية.
ولكن ثمّة عمليات مُحدّدة كان لها النصيب الأكبر من الإقبال، فبحسب بيانات الجمعية:
- ارتفعت نسبة الإقبال على عمليات شفط الدهون بنسبة 8%، بينما شهدت عملية شدّ البطن زيادة بنسبة 6%.
- ارتفعت عمليات شدّ الفخذين وتكبير الثدي بنسبة 24%، ما يدلّ على التركيز المُتزايد على تحسين شكل الجسم.
- ارتفعت عمليات شدّ الوجه والرقبة بنسبة 8%، كما شهدت عمليات شدّ الحاجبين زيادة بنسبة 20%، مقارنةً بالعام السابق.
حتى الإجراءات التجميلية غير الجراحية زاد الإقبال عليها، فزادت علاجات البوتوكس بنحو 5%، كما زادت الحشوات الجلدية (الفيلر) بنسبة 27%.
لماذا أصبحنا أكثر إقبالًا على جراحات التجميل؟
باتت جراحات التجميل أكثر شيوعًا حتى في أوساط الشباب؛ إذ أشار أحدث استطلاع أجرته الأكاديمية الأمريكية لجرّاحي تجميل الوجه "AAFPRS" إلى أنّ من يخضعون لجراحة شدّ الوجه، يميلون إلى أن يكونوا أصغر سنًا؛ إذ ارتفع عدد المرضى الذين تراوح أعمارهم بين 35 و55 عامًا ليمثّلوا أكثر من ثلث عمليات شدّ الوجه في السنوات الأخيرة.
وقد اكتشف الباحثون وجود صلة قويّة بين وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة الجراحات التجميلية؛ إذ تضع تطبيقات، مثل إنستجرام وفيسبوك وسناب شات، معايير جمال غير واقعية من خلال المرشّحات وصور المؤثّرين.
فالتعرّض للأجساد المثالية والصور المُعدَّلة، والمقارنات الاجتماعية الناجمة عن ذلك والتي لا مفرّ منها، قد تدفع الأفراد إلى إجراء جراحة تجميلية.
وحسب مراجعة منهجية عام 2024 في دورية "Cureus"، حلّلت 25 دراسة شملت نحو 14,000 مشارِك، ووجدت أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تؤثّر بدرجة كبيرة في قرارات الخضوع لإجراءات التجميل.
كما عزّزت وسائل التواصل الاجتماعي هذا التوجّه أيضًا من خلال المشاهير وإعلانات جراحات التجميل، بالإضافة إلى قلق الأفراد أنفسهم بشأن مظهرهم الخارجي؛ خصوصًا مع ما يتعرّضون له على مدار الساعة.
كيف أصبح الندم بعد عمليات التجميل أكثر شيوعًا أيضًا؟
لكن ما لم يكُن في الحسبان أيضًا أنّ الندم بعد عمليات التجميل ازداد أيضًا؛ إمّا لأنّ النتيجة لم تتطابق مع التوقّعات أو الصورة المرجوّة (التي ربّما عزّزتها وسائل التواصل الاجتماعي)، أو بسبب المضاعفات.
كما بيّنت الأبحاث التي أجرتها مجموعة الحوادث الطبية "Medical Accident Group" أنّ 65% من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع ندموا على الجراحة التي أجروها، رغم أنّ 28% منهم كانوا سُعداء جدًا بنتائجها.
وحسب الاستطلاع ذاته، فإنّ 83% من الأشخاص الذين خضعوا لجراحة تجميلية لن يُفكِّروا مرة أخرى في إجراء أي شكلٍ من أشكال الإجراءات التجميلية مرة أخرى.
ما أكثر الإجراءات التجميلية ارتباطًا بالندم؟
وفي الاستطلاع سُئل الجميع عن نوع الجراحة التي أجروها، وكانت الإجابات الأكثر شيوعًا هي تكبير الثدي (31%)، ورأب الأنف (27%)، بالإضافة إلى شفط الدهون (24%)، وجراحة الجفن (16%).
وعند سؤال المرضى عن أسباب الندم المحتملة، كانت الخيارات الخمسة الأولى:
- عدم مطابقة النتائج للصورة التي اعتقدوا أنّهم سيكونون عليها (33%).
- المضاعفات التي واجهوها (24%).
- الإحساس بأنّ الآثار الجانبية لم تُوضّح لهم بالكامل (17%).
- الشعور بثقة أو راحة أقلّ مما كانوا عليه قبل الجراحة (13%).
- الشعور بالندم على إنفاق المال، أو التعرّض لديون بسبب الجراحة (8%).
كيف أدّت عمليات التجميل إلى اكتساب مظهر عظمي؟
ربّما أدّت الصور المثالية للمشاهير ونتائج جراحات التجميل التي تحاصِرنا كلّ يوم إلى بناء توقّعات حالمة بشأن النتائج عندما نُجرِي أي نوع من عمليات التجميل، ولكن أحيانًا لا تكون النتيجة كما نتوقّع.
وظهر حديثًا مُصطلح "المظهر العظمي" أو "Skeletonized Look" في أعقاب جراحة إزالة الدهون الخدّية لتجميل الوجه.
وقد كانت إزالة الدهون الخدّية واحدة من أكثر الإجراءات التجميلية إثارة للضجة في بداية عشرينيات القرن الحادي والعشرين، ولكن زعم مُنتقِدو هذه العملية أنّها تجعل الناس يبدون أكبر سنًا.
وفي الحقيقة فإنّ إزالة هذه الدهون تؤدي إلى تسريع فقدان الحجم الطبيعي الذي يأتي مع الشيخوخة، ما يجعل كثيرًا من المرضى غير راضين عن المظهر العظمي الذي يحصلون عليه.
وحسب جرّاح التجميل من مركز بليشمان لجراحة التجميل في مدينة نيويورك "كريشنا فياس"، فإنّ وسادة الدهون الخدّية واحدة من الهياكل الرئيسة التي تُحافِظ على مظهر منتصف الوجه ممتلئًا وشبابيًا، فإذا اختفى وترقّقت العظام والأنسجة الرخوة المحيطة به مع تقدّم العُمر، يُصبِح من الصعب استعادة هذا الحجم من جديد، ما قد يمنح المرء مظهرًا عظميًا.
رغم نجاح جراحات التجميل.. لماذا لا تُستعاد الثقة بالنفس؟
لكن ليس هذا السبب الوحيد للندم بعد عمليات التجميل، فقد بيّنت مراجعة منهجية عام 2024 في المجلة الأمريكية للجراحة "The American Journal of Surgery" بشأن الندم على الجراحة التجميلية أنّ مُعدّلات عدم الرضا يمكن أن تصل إلى 47.1% اعتمادًا على الجراحة التي أُجريت، وأحد الأسباب الأكثر شيوعًا لذلك هو عدم التوافق بين توقّعات المريض والنتائج التي تحقّقت.
هل تعالِج جراحات التجميل اضطراب تشوّه صورة الجسم؟
لا يزال معظم الأفراد المصابين باضطراب تشوه صورة الجسم "Body Dysmorphic Disorder" غير راضين عن مظهرهم بعد جراحة التجميل، فمن بين عيّنة مكوّنة من 200 مريض يعانون هذا الاضطراب وتلقّوا جراحة تجميلية، كانت النتيجة الأكثر شيوعًا هي عدم حدوث تغيّر في شدة أعراض الاضطراب، حسب دراسة عام 2001 في دورية "Dermatologic Surgery".
وحسب دراسة أخرى عام 2010 في دورية "Annals of Plastic Surgery"، فإنّ الأفراد المصابين بهذا الاضطراب وتلقّوا إجراءات جراحية أو إجراءات طفيفة التدخل الجراحي بسبب مخاوفهم المتعلقة بالمظهر، فإنّ 25% منهم فقط أظهروا تحسّنًا طويل الأمد فيما يتعلّق بانشغالهم بالمنطقة التي أرادوا تجميلها.
ولكن 2.3% فقط ممّن خضعوا لإجراءات جراحية وكذلك طفيفة التدخّل الجراحي، هم من تحسّنت لديهم أعراض اضطراب تشوه صورة الجسم الإجمالية على الأمد الطويل، ما قد يستدعي النظر إلى الأسباب النفسية وراء هذا الاضطراب.
كيفية التعافي النفسي وتفادى الندم بعد عمليات التجميل
أيًا كان التغيير الذي حدث بعد عمليات التجميل، فإنّ هُناك بعض الاستعدادات للتعافي النفسي والتعامُل مع أي ندمٍ محتمل على النحو الآتي:
- التوقّعات الواقعية: ينبغي قبل العملية مناقشة التوقعات بوضوح مع الجرّاح، وفهم ما يمكِن وما لا يمكِن تحقيقه، وبعد الجراحة، لا ينبغي تكرار النظر إلى المرآة في الأيام الأولى؛ إذ النتيجة ليست نهائية بعد، كما أنّ النظر المهووس بتلك الطريقة يغذِّي القلق.
- الحد من التعرّض لوسائل التواصل الاجتماعي: خصوصًا مع ما تعرضه من صور قد تجعلك تقارِن النتيجة التي حصلت عليها بما تراه، وربّما لا تعجِبك النتيجة النهائية.
- التعامل مع الاضطرابات النفسية قبل العملية: إذا كُنت تعاني أي اضطرابٍ نفسي، فينبغي علاجه تحت إشراف طبيب مُختصّ قبل الخضوع لأي إجراءٍ تجميلي، ولا بأس بتأخير جراحة التجميل في سبيل معالجة هذا الاضطراب أولًا.
- الدعم النفسي المُرتَّب مُسبقًا: قد يكون من المفيد الترتيب مع مُعالِج نفسي خلال فترة التعافي بعد جراحة التجميل؛ خصوصًا لو كُنت تخاف أن تؤثّر النتائج في حالتك النفسية.
ختامًا، رغم ازدياد الإقبال على جراحات التجميل، فإنّ الندم بعد إجرائها زاد أيضًا؛ خصوصًا مع عدم تلبية التوقعات والمعايير المثالية المُغذَّاة من وسائل التواصل الاجتماعي، وحالة المظهر الهيكلي التي قد تعقب جراحة إزالة الدهون الخدّية، لذا ينبغي مراعاة الجانب النفسيّ والتوقّعات الواقعية قبل أن تقرّر الخضوع لأي إجراءٍ تجميلي.
