حزمة "الوداع الذهبي".. ما الذي تقدّمه شركات "وادي السيليكون" للموظفين المسرّحين؟
في ظل موجة غير مسبوقة من التسريحات اجتاحت قطاع التكنولوجيا خلال عام 2026، بمعدل تجاوز 110 آلاف وظيفة محذوفة عبر مئات الشركات حتى منتصف العام وحده، لم تعد عملية "الاستغناء" عن الموظفين تجري بالطريقة التقليدية القاسية.
فبدلاً من ذلك، طوّرت عمالقة وادي السيليكون ما بات يُعرف إعلاميًا بحزم "الوداع الذهبي": تعويضات مالية وصحية سخية نسبيًا، الهدف المعلن منها تخفيف الأثر على الموظفين، والهدف غير المعلن ضمان توقيعهم على تنازل قانوني عن أي مطالبات مستقبلية ضد الشركة.
في هذا التقرير، نفصّل ما تقدمه أبرز شركات التكنولوجيا الأمريكية لموظفيها المسرّحين، بدءًا من أحدث حزمة أعلنتها مايكروسوفت.
مايكروسوفت.. 39 أسبوعًا من الراتب الأساسي
أعلنت مايكروسوفت مطلع يوليو 2026 عن تسريح نحو 4,800 موظف، أي ما يعادل 2% من قوتها العاملة العالمية، ضمن خطة أوسع لخفض التكاليف شملت إعادة هيكلة كبرى لقطاع الألعاب "إكس بوكس".
وجاء القرار عقب فترة صعبة للشركة، إذ تراجعت أسهمها بنحو 23% خلال النصف الأول من 2026، وهو أسوأ أداء نصف سنوي لها منذ 2022، رغم إعلانها في وقت سابق عن نفقات استثمارية ضخمة تناهز 190 مليار دولار لعام 2026 مرتبطة بالتوسع في خدمات الحوسبة السحابية "أزور" ودعم الذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقرير لموقع "بيزنس إنسايدر"، تشمل حزمة التعويضات التي ستقدمها مايكروسوفت للموظفين الأمريكيين المتضررين:
راتب أساسي يصل إلى 39 أسبوعًا كحد أقصى، بحد أدنى مضمون قدره 60 يومًا من الراتب الأساسي يظل خلالها الموظف مدرجًا رسميًا على كشوف رواتب الشركة.
احتساب التعويض الإضافي بناءً على مدة الخدمة والمستوى الوظيفي للموظف، وصولاً للحد الأقصى البالغ 39 أسبوعًا.
استمرار استحقاق الأسهم (Stock Vesting) للموظفين من المستوى 67 فما دون، لمدة 6 أو 12 شهرًا إضافية بحسب طول فترة خدمتهم في الشركة.
تغطية تأمين صحي مدفوعة بالكامل لمدة 6 أشهر، مع خيار تمديد التغطية عبر برنامج "كوبرا" (COBRA) الأمريكي لمدة تصل إلى 12 شهرًا إضافيًا.
خطة تعويض منفصلة مخصصة للمدراء التنفيذيين من المستوى 68 فما فوق.
ويُذكر أن مايكروسوفت قدّمت في وقت سابق من العام 2026 عروض "استقالة طوعية مدفوعة" لنحو 7% من قوتها العاملة الأمريكية، أي ما يقارب 9 آلاف موظف، قبل أن تلجأ لهذه الجولة الإضافية من التسريحات الإجبارية.
جوجل.. 16 أسبوعًا + أسبوعان عن كل سنة خدمة
واعتمدت شركة جوجل (ألفابت) نموذجًا أصبح شبه معياري في قطاع التكنولوجيا: 16 أسبوعًا من الراتب الأساسي كحد أدنى، بالإضافة إلى أسبوعين إضافيين عن كل سنة خدمة للموظف.
وبالنسبة لمهندس متوسط الخبرة بخمس سنوات خدمة مثلًا، يعني ذلك تعويضًا إجماليًا يقارب 24 أسبوعًا من الراتب.
وتقدّم جوجل تسريعًا لاستحقاق الأسهم المقرر استحقاقها خلال الأشهر الأربعة التالية للتسريح، إلى جانب 6 أشهر من التغطية الصحية المدفوعة.
ميتا.. تعويض صحي تضاعف ثلاث مرات
واتبعت ميتا (الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام وواتساب) الصيغة نفسها تقريبًا التي اعتمدتها جوجل: 16 أسبوعًا أساسية + أسبوعان عن كل سنة خدمة، لكنها تميزت بمضاعفة مدة التغطية الصحية إلى 18 شهرًا كاملة عبر برنامج "كوبرا" للموظف وأفراد أسرته، وهو ثلاثة أضعاف ما كانت تقدمه الشركة في جولات تسريح سابقة.
وشملت الحزمة أيضًا مكافأة أداء مجزّأة حسب فترة العمل الفعلية خلال دورة التقييم الحالية، وصرف كامل رصيد الإجازات غير المستخدمة، إلى جانب برنامج دعم مهني لمدة 3 أشهر لمساعدة الموظفين على إيجاد فرص عمل جديدة.
وطالت هذه الجولة نحو 8 آلاف وظيفة، ضمن خطة أعلنتها الشركة لتبسيط هيكلها الإداري وتقليص عدد المناصب القيادية.
أمازون.. تعويض أقل سخاءً نسبيًا
وعلى عكس جوجل وميتا، تعتمد أمازون نموذج تعويض أكثر تحفظًا؛ إذ يحصل الموظفون في المناصب المكتبية عادة على تعويض بواقع أسبوعين تقريبًا عن كل سنة خدمة، بحد أدنى مضمون قدره 3 أسابيع فقط للموظفين المكتبيين (أسبوعان فقط لعمال المستودعات)، دون سقف أقصى معلن رسميًا.
وتفقد الأسهم غير المستحقة للموظف قيمتها بالكامل دون تسريع في الاستحقاق، نظرًا لجدول استحقاق الأسهم التصاعدي الذي تتبعه الشركة (5%/15%/40%/40% على أربع سنوات)، ما يعني خسارة كبيرة للموظفين حديثي الانضمام نسبيًا؛ كما أن برامج الدعم المهني للبحث عن وظيفة بعد التسريح محدودة مقارنة بمنافسيها.
لماذا تتنافس الشركات على سخاء التعويضات؟
ويفسّر خبراء الموارد البشرية هذا التوجه بعدة أسباب مترابطة؛ فبموجب القانون الفيدرالي الأمريكي، لا تُلزَم الشركات أصلًا بتقديم أي حزمة تعويض للموظفين المسرَّحين، ما يجعل أي حزمة مقدَّمة تصرفًا اختياريًا بالكامل من جانب الشركة.
لكن هذا "السخاء" يخدم غرضين رئيسين: الأول هو الحفاظ على سمعة الشركة كـ"صاحب عمل مسؤول" في سوق عمل تنافسي شرس على المواهب التقنية، والثاني، وهو الأهم من الناحية القانونية، أن قبول الموظف لحزمة التعويض يقترن عادة بتوقيعه على وثيقة "تنازل عن الحقوق" تمنعه من رفع أي دعاوى قضائية مستقبلية ضد الشركة بخصوص إنهاء عقده.
ويؤكد خبراء التفاوض الوظيفي أن هذه الحزم، رغم إعلانها كأرقام "نهائية"، غالبًا ما تكون قابلة للتفاوض فعليًا، خصوصًا للموظفين من المستويات الأقدم والأعلى، إذ يمكن أحيانًا التفاوض على عدد أسابيع إضافية، أو مدة أطول للتغطية الصحية، أو معاملة أفضل للأسهم غير المستحقة.
الوجه الآخر لثورة الذكاء الاصطناعي
تكشف موجة "الوداع الذهبي" الحالية عن مفارقة لافتة في قلب صناعة التكنولوجيا؛ فالشركات ذاتها التي تستثمر عشرات ومئات المليارات من الدولارات في بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي، تجد نفسها مضطرة في الوقت نفسه لتقليص صفوف موظفيها البشريين، وسط ضغط متزايد من المستثمرين لإثبات عوائد ملموسة من هذه الاستثمارات الضخمة.
وبين إعادة الهيكلة وتقليص التكاليف، تبقى حزم التعويض السخية وسيلة الشركات لإدارة هذا التحول المؤلم دون الإضرار بسمعتها أو مواجهة تبعات قانونية طويلة الأمد.
