خلف الكواليس.. أعمال تمرد فيها أنتوني هوبكنز على مقعد الممثل ليقود دفة الإخراج والإنتاج
يعرف الجمهور حول العالم السير أنتوني هوبكنز باعتباره واحدًا من أعظم الممثلين في تاريخ السينما، صاحب شخصية "هانيبال ليكتر" الأكثر رعبًا على الشاشة، وحامل جائزتي أوسكار عن دورين يفصل بينهما ثلاثة عقود كاملة.
لكن القليل نسبيًا يعرف أن هوبكنز لم يكتفِ يومًا بالوقوف أمام الكاميرا؛ فعلى فترات متباعدة من مسيرته الممتدة لأكثر من ستين عامًا، خاض تجربة الجلوس خلف الكاميرا كمخرج وكاتب سيناريو وحتى ملحّن موسيقى، إلى جانب مساهمات إنتاجية قليلة لكنها لافتة.
في هذا التقرير، نستعرض تلك المحطات التي "تمرّد" فيها هوبكنز على دوره المعتاد كممثل فقط.
البداية: "رحلة العودة" مع ديلان توماس (1990)
كانت أولى خطوات هوبكنز خلف الكاميرا عبر فيلم تلفزيوني قصير بعنوان "Dylan Thomas: Return Journey" عام 1990، وهو عرض أحادي الممثل (One-Man Show) استعاد فيه هوبكنز حياة الشاعر الويلزي الشهير ديلان توماس، ابن بلده الذي تربطه به روابط ثقافية عميقة.
لم يكتفِ هوبكنز بالتمثيل في هذا العمل، بل تولى إخراجه أيضًا، ليكون بذلك أول اختبار حقيقي لقدراته خلف الكاميرا، قبل أن يخوض تجربته الأولى في إخراج فيلم روائي كامل الطاقم بعد ذلك بخمس سنوات.
"أوجست" (1996).. تشيخوف بنكهة ويلزية
في عام 1996، قدّم هوبكنز أول تجربة إخراجية كاملة له في فيلم روائي طويل بعنوان "August"، وهو اقتباس سينمائي لمسرحية "العم فانيا" (Uncle Vanya) للكاتب الروسي الشهير أنطون تشيخوف، لكن هوبكنز نقل أحداثها من الريف الروسي إلى ريف ويلز، موطنه الأصلي، وأدى فيه شخصيًا دور البطولة باسم "إيوان ديفيس" بدلًا من "فانيا" الأصلية.
ولم يقتصر دور هوبكنز في هذا العمل على الإخراج والتمثيل فقط، بل شارك أيضًا في كتابة السيناريو المقتبس، ليقدّم رؤية شخصية عميقة لنص كلاسيكي عالمي، مطعّمة بخلفيته الويلزية التي طالما أثّرت في هويته الفنية. ويُذكر أن الفيلم ضم أيضًا ظهورًا مبكرًا للممثل ريس إيفانز في بداية مسيرته.
"سليبستريم" (2007).. تجربة سريالية تثير الجدل
بعد أكثر من عقد كامل من "أوجست"، عاد هوبكنز للجلوس خلف الكاميرا عام 2007 في تجربته الإخراجية الثانية والأخيرة حتى الآن، فيلم "Slipstream"، الذي كتب سيناريو الأصلي بنفسه عام 2005 كمشروع شخصي بحت دون خطة سردية محددة مسبقًا، وقام ببطولته إلى جانب إخراجه، بل ولحّن موسيقاه التصويرية أيضًا.
يروي الفيلم قصة فيليكس بونهوفر، كاتب سيناريو مسنّ تبدأ حياته بالانهيار حين تتسلل شخصيات نصه السينمائي الخاص بجريمة قتل غامضة إلى واقعه الفعلي، في مزيج من الزمن المتشظي والحدود الملتبسة بين الخيال والجنون.
اعتمد هوبكنز في بناء الفيلم على هيكل سردي غير خطي يحاكي مفهوم "التيار المنساب" (Slipstream) نفسه، عبر مونتاج حالم يكسر التسلسل التقليدي للأحداث.
وشهد الفيلم عرضه الأول في مهرجان صندانس السينمائي في يناير 2007، وضم في طاقم تمثيله أسماء مثل جون تورتورو وكريستيان سلايتر وجيفري تامبور ومايكل كلارك دنكان.
ورغم أن الفيلم انقسم النقاد حوله بشدة (حصل على تقييم 27% فقط في موقع "روتن توميتوز" الذي وصفه بـ"التجربة الفاشلة")، إلا أن آخرين أشادوا بجرأة الرؤية البصرية لهوبكنز وقارنوا العمل بأسلوب المخرج ديفيد لينش، بل ذهب بعضهم لمقارنته بتحفة فيلليني الكلاسيكية "8½" لتناوله المراحل الأخيرة من حياة مخرج سينمائي.
بصمات في الإنتاج.. أدوار أقل ظهورًا لكنها موجودة
إلى جانب تجربتيه الإخراجيتين، ساهم هوبكنز في الإنتاج بصفات مختلفة في عدد من الأفلام، وإن كانت أدواره هذه أقل شهرة من أعماله كممثل أو مخرج:
Bobby (2006): شارك كمنتج تنفيذي (Executive Producer) في هذا الفيلم الدرامي الذي تناول أحداث اغتيال السيناتور الأمريكي روبرت كينيدي، وظهر فيه أيضًا في دور تمثيلي.
Solace (2015): شغل منصب منتج تنفيذي في هذا الفيلم البوليسي الغامض الذي جمعه تمثيليًا مع جيفري دين مورغان وكولين فارل.
Blackway (2015): تولى مهمة الإنتاج (Producer) في هذا الفيلم، إلى جانب مشاركته بطولته.
Elyse (2020): أضاف بصمة إنتاجية أخرى لهذا الفيلم القصير خلال السنوات الأخيرة من مسيرته.
فضول لا يعرف حدود الشاشة
رغم أن مسيرة أنتوني هوبكنز الإخراجية اقتصرت على تجربتين روائيتين فقط بفارق أكثر من عقد بينهما، فإنهما تكشفان جانبًا أقل شهرة من شخصية هذا الفنان الموسوعي: رجل لم يكتفِ يومًا بإتقان حرفة واحدة، بل سعى لاستكشاف كل زاوية ممكنة في صناعة السينما، من التأليف والتلحين إلى الإخراج والإنتاج، مؤكدًا أن العبقرية الفنية لديه لم تكن مقتصرة على قدرته الفذة في التقمص أمام الكاميرا، بل امتدت أيضًا إلى فضول إبداعي دفعه لتجربة كل ما يقع خلفها.
