لماذا لا تستفيد أجسامنا من كلّ البروتين الذي نأكله؟
بعد أن تناولت طبق لحمٍ شهي؛ رغبةً في تحصيل ما يكفي من البروتين والاستفادة من هذا العنصر الغذائي، فهل امتصّ جسمك كلّ البروتين الموجود في طبق اللحم أم بعضه أم لم يمتصّ شيئًا على الإطلاق؟
الحقيقة أنّنا لا نستفيد من البروتين بمُجرّد تناوله، بل ثمّة أمور أخرى تؤثّر في امتصاص البروتين، مثل مصدره هل حيواني أم نباتي، أو طريقة طهيه، فالحرارة العالية قد تُفقِد اللحوم قِيمتها الغذائية الفريدة، فكيف تُحقّق أقصى استفادة من البروتين الذي تتناوله كلّ يوم؟
كيف يهضم الجسم البروتين ويستفيد منه؟
يتكوّن البروتين من أحماضٍ أمينية هي اللبنات الأساسية له، ولا تُحصّل فوائد البروتين بمجرّد تناوله فقط، بل تعتمد جودة أو مدى استفادة الجسم من البروتين تبعًا لتوافره الحيوي.
وتمرّ عملية امتصاص البروتين وهضمه بعدّة مراحل تستغرق ساعات:
- المعدة: تحدث المرحلة الرئيسة الأولى للهضم هناك؛ إذ تُكسِّر أحماض المعدة البروتين، وقد يستغرق الأمر ساعة إلى ساعتين، وقد تستغرق اللحوم الصلبة وقتًا أطول من مساحيق البروتين أو المصادر النباتية.
- الأمعاء الدقيقة: بها المرحلة الثانية من هضم البروتين، ويستغرق هُناك ثلاث إلى ست ساعات حتى يتحلّل بالكامل إلى أحماضٍ أمينية، ثُمّ يُمتصّ في مجرى الدم.
- مجرى الدم: تدخل الأحماض الأمينية من البروتين إلى مجرى الدم؛ إذ تُعِين الخلايا على إصلاح ذاتها، كما تُشكّل مصدرًا من مصادر الطاقة، ويمكِن أن تظلّ مستوياتها مرتفعة في الدم لساعات. أمّا البروتين الإضافي أو الزائد فينتقل إلى القولون كي يخرج من الجسم لاحقًا.
ما هو التوافر الحيوي للبروتين؟
يشير التوافر الحيوي (Bioavailability) للبروتين إلى مدى قدرة الجسم على استخدام البروتين، فالبروتين الذي يتمتّع بتوافر بيولوجي عالٍ، يعني أنّه يُمتصّ بسهولة عند تناوله.
وتُحدّد جودة البروتينات عن طريق عدّة عوامل، مثل:
- تركيبة أحماضها الأمينية.
- قابلية هضمها.
- التوافر الحيوي للأحماض الأمينية ذاتها.
كما أنّ مصدر البروتين ذاته له دور في تحديد التوافر الحيوي، ولكن هذا لا يعني الاقتصار فقط على المصادر الأكثر توافرًا حيويًا، فالنظام الغذائي المتوازن يبقى الخيار المُفضّل.
ما العوامل التي تتحكّم في امتصاص البروتين؟
تتضمّن العوامل التي تُحدّد مدى التوافر الحيوي للبروتين وقدرة جسمك على الاستفادة منه:
1. قابلية الهضم
تدلّ قابلية الهضم على مدى قدرة الإنزيمات الهاضمة على تكسير البروتين إلى ببتيدات وأحماض أمينية، فالبروتينات ذات التوافر الحيوي المرتفع تُهضَم بسهولة، ومع ذلك قد تتأثّر عملية الهضم بعوامل أخرى، مثل طرق الطهي والمعالَجة.
2. خصائص الأحماض الأمينية
كما ذكرنا الأحماض الأمينية هي اللبنات الأساسية للبروتين، ويمكِن لجسمك إنتاج بعض الأحماض الأمينية ولكن ليس كلّها.
وما لا يُنتِجه جسمك منها يُعرَف بالأحماض الأمينية الأساسية، التي يجب الحصول عليها من نظامك الغذائي، وبناءً على ذلك تختلف خصائص الأطعمة الغنية بالبروتين على النحو الآتي:
- البروتينات الكاملة: الأطعمة التي تحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، وتُعدّ مصادر بروتين عالية الجودة، وغالبًا ما يتوافر ذلك في المصادر الحيوانية، كالدجاج واللحوم والبيض.
- البروتينات غير الكاملة: أطعمة تحتوي على بعض الأحماض الأمينية، وغالبًا ما تكون نباتية، مثل البقوليات.
- مصادر البروتين التكميلية: عبارة عن مزيج من البروتينات غير الكاملة، التي عند تناولها معًا تُزوّد جسمك بجميع الأحماض الأمينية الأساسية.
3. طرق الطهي
كذلك قد يتأثر التوافر الحيوي للبروتين بالطريقة التي يُطهَى بها الطعام، فقد أظهرت دراسة عام 2021 في مجلة "Foods" أنّ طهي معاجين البقوليات المصنوعة من فول الصويا أو العدس أو البازلاء، يُحسِّن قابليتها للهضم وحتى نشاطها المُضاد للأكسدة.
ولكن ينبغي أن تعلم أيضًا أنّ الإفراط في الطهي أو الحرارة العالية يمكِن أن تؤثِّر في جودة البروتينات.
أفضل مصادر البروتين من حيث الجودة الحيوية
تُعدّ البروتينات الحيوانية الأعلى جودة في مصادر البروتين؛ إذ توفّر الأحماض الأمينية الأساسية، وتضمّ أفضل مصادر البروتين الحيواني:
1. بروتين مصل اللبن
بروتين مصل اللبن هو البروتين الطبيعي المعزول من الجزء السائل من حليب البقر، والذي يتمتّع بتوافر حيوي عال؛ ومِنْ ثمّ يمتصّه الجسم جيدًا، وغالبًا ما يكون مصدرًا مفضلًا للرياضيين الراغبين في بناء العضلات، ويتوافر في صورة مكملات غذائية.
2. البيض
البيض أيضًا خصوصًا بياضه مصدر ممتاز للبروتين سهل الامتصاص، ورغم أنّ بياض البيض يحتوي على بروتين نقيّ تقريبًا، فمن المهم تناول البيضة كاملة لأنّ الصفار أيضًا مليء بعناصر غذائية ضرورية، والبيضة الواحدة عمومًا يمكِن أن توفّر نحو 6 إلى 8 جرامات من البروتين.
3. الأسماك والمأكولات البحرية
كذلك تُعدّ الأسماك مصدرًا مميزًا للبروتين، كما أنّها توفّر أحماض أوميجا 3 الدهنية، وهي دهون صحية مفيدة للقلب والدماغ، ومن أمثلة الأسماك والمأكولات البحرية الغنية بالبروتين:
- السلطعون: 20.5 جرام من البروتين لكل 100 جرام.
- سمك السلمون: 20.4 جرام من البروتين لكل 100 جرام.
- السردين: 19.8 جرام من البروتين لكل 100 جرام.
- سمك القد: 17.5 جرام من البروتين لكل 100 جرام.
4. صدر الدجاج
صدر الدجاج من أكثر خيارات البروتين شعبية، فهو يمتلئ بنحو 27 جرامًا من البروتين لكل 100 جرام، كما أنّه مصدر مثالي لفيتامينات ب، ويتميّز بقلّة الدهون فيه، مقارنةً باللحوم الحمراء مثلًا.
5. اللحوم الحمراء
يُعدّ التوافر الحيوي للبروتين في اللحوم الحمراء أقل قليلًا من المصادر الأخرى سالفة الذكر، ولكن غالبًا ما تكون اللحوم الحمراء خيارًا مناسبًا لمن يتطلّع إلى الشبع وإيقاف إحساس الجوع، كما أنّ اللحم الأحمر غني بالحديد الضروري للحفاظ على الطاقة وصحة خلايا الدم الحمراء.
كيف تُحقّق أقصى استفادة من البروتين الذي تتناوله؟
قد تساعدك النصائح الآتية على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من البروتين الذي تتناوله دون هدر:
1. اختيار مصادر البروتين الكامل
الخطوة الأولى لزيادة امتصاص البروتين لديك هي اختيار البروتينات الكاملة التي توفّر الأحماض الأمينية الأساسية جميعًا، كاللحوم والأسماك والبيض ومنتجات الألبان.
أمّا لو كُنت نباتيًا، فيُمكِنك تحصيل بروتين كامل عبر مزج أنواع مختلفة من الطعام معًا على النحو الآتي، حسب "Healthline":
2. الطهي الذي يَحفظ القِيمة الغذائية
أظهرت مراجعة الأدبيات المنشورة عام 2022 في دورية "Animal" في أنّ هناك ثلاث مجموعات رئيسة من العوامل ضرورية لفهم الجودة النهائية للحوم، وتتضمّن المجموعة الأولى العوامل "في المزرعة"، والتي تشمل العوامل الوراثية والسلالة وعُمر الحيوان وجنسه ونوع العلف ورفاهية الحيوان.
أمّا المجموعة الثانية فتتعلّق بتأثير ما قبل الذبح على تحويل العضلات إلى لحوم، وتحديد سمات، مثل الرقم الهيدروجيني النهائي واحتباس الماء واللون والطراوة في أثناء التبريد.
وتتعلّق المجموعة الثالثة بعوامل المعالَجة المتعلّقة بالملمس وقابلية الهضم وتوافر الأحماض الأمينية، وهي المرحلة التي يكون للتحضير الحراري فيها دور حاسم.
ففي تلك المرحلة تكمُن أهمية اختيار طريقة الطهي، فالطهي الطويل في درجات حرارة عالية جدًا قد يزيد تحلّل البروتين، ما قد يقلّل القِيمة الغذائية للطعام.
بينما تميل درجات الحرارة المعتدِلة إلى الحفاظ على بِنية البروتين بشكلٍ أفضل، كما يحبس الماء في اللحوم أكثر، ما يضمن امتصاص الجسم لقدرٍ أكبر من الأحماض الأمينية.
3. نصائح إضافية
بالإضافة إلى ما سبق، يُنصَح بتبنِّي العادات الآتية للمساعدة على تحقيق أقصى استفادة من البروتين:
- توزيع وجبات البروتين على مدار اليوم.
- مضغ الطعام جيدًا.
- تجنّب ممارسة التمارين الرياضية المُكثّفة بعد تناول الطعام مباشرةً.
- علاج الأمراض التي تؤثّر في الهضم، مثل أمراض الكبد.
- تناول البروبيوتيك، الذي قد يحسّن امتصاص البروتين.
كم يجب أن تتناول من البروتين كل يوم؟
يحتاج معظم البالغين إلى نحو 0.75 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا، وفي المتوسّط يعادِل ذلك نحو 55 جرامًا للرجال و45 جرامًا للنساء.
ولكن قد تختلف متطلّبات البروتين حسب نشاطك البدني وأهداف لياقتك، فمثلًا لو كُنت تتطلّع إلى إنقاص الوزن، فقد تزيد تناول البروتين إلى نحو 1.2 إلى 1.6 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا؛ إذ يساعد ذلك على تثبيط هرمونات الجوع والشعور بالشبع لفترة أطول وتعزيز التمثيل الغذائي.
أمّا في حالة بناء العضلات، فحاجتك إلى البروتين أعلى؛ إذ يحتاج الرياضيون إلى تناول 1.2 إلى 2.2 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا.
وكي تضمن أقصى استفادة من البروتين الذي تتناوله، احرص على الإكثار من مصادر البروتين الكامل، أو التنويع في مصادر البروتين النباتيّ قدر الإمكان، بالإضافة إلى طهي اللحوم بدرجات حرارة معتدِلة غير مرتفعة، وتوزيع البروتين على مدار يومك وليس دفعة واحدة.
