ما جدوى قرار "الشورى السعودي" بتقييد المنصات عن الأطفال تحت 16 عامًا؟
تبدو الخطوة الأخيرة التي اتخذها مجلس الشورى بمطالبة هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية بوضع ضوابط صارمة للتحقق العمري، وفرض قيود على استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن السادسة عشرة، بمثابة تحول استراتيجي عميق في كيفية إدارة الفضاء الرقمي؛ إذ لم يعد النقاش حول سلامة الأطفال عبر الإنترنت مجرد ترف فكري، بل أصبح ضرورة ملحة وأولوية وطنية قصوى تهدف إلى الحد من استغلال القاصرين، وتحصين المجتمع من المهددات السيبرانية التي تتسلل عبر الهواتف الذكية والشاشات.
أبعاد الريادة الدولية والجهود الأممية للمملكة
تتجاوز هذه الرؤية التنظيمية النطاق المحلي لتلتقي مع مساعٍ دولية قادتها المملكة بكل قوة، حيث تجسدت هذه الجهود عمليًا في إطلاق "مؤشر حماية الطفل في الفضاء السيبراني" كأداة قياس عالمية ومبتكرة بالتعاون بين مؤسسة المنتدى الدولي للأمن السيبراني والمعهد الدولي والمنظمات ذات الصلة؛ وجاء هذا المؤشر ترجمة حية للمستهدفات الاستراتيجية للمبادرة العالمية التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بهدف رفع مستوى الوعي لدى صناع القرار في العالم حول المخاطر التي يتعرض لها الأطفال في البيئة الافتراضية، وهو التحرك الذي حظي بتأييد دولي واسع تكلل باعتماد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالإجماع للقرار الذي تقدمت به السعودية، ما يرسخ دور المملكة كموجه أساسي للسياسات الأمنية الرقمية على الصعيد العالمي.
تحولات إيجابية تحمي العقول والأنفس من التهديدات الرقمية
تكمن القيمة الجوهرية لتوجه التقييد العمري في الآثار المباشرة التي تنعكس على البنية النفسية والجسدية لليافعين، والتي يلخصها المختصون في محاور رئيسة تعيد صياغة جودة الحياة:
صيانة الصحة العقلية والنفسية:
يساهم هذا القرار في الحد من معدلات الإصابة بالاكتئاب والقلق والتوتر، وهي اضطرابات تزايدت حدتها نتيجة تصفح منصات شهيرة مثل تيك توك وإنستجرام، حيث يقع المراهق في فخ المقارنات الاجتماعية الدائمة مع واقع مثالي زائف يجافي الحقيقة.
تحصين نمو الدماغ من الإدمان:
يحمي هذا التقييد عقول الأطفال قبل سن السادسة عشرة، وهي مرحلة عمرية حرجة يكون فيها الدماغ شديد الحساسية تجاه نظام المكافأة (الدوبامين)؛ حيث يمنعهم التقييد من الوقوع في فخ الخوارزميات المصممة خصوصًا لجذب الانتباه وتشتيته، ويقلل في الوقت نفسه من فرص التعرض للتنمر الإلكتروني والابتزاز.
إعادة إحياء المهارات الاجتماعية والواقعية:
يتيح الابتعاد عن العزلة الافتراضية فرصة ثمينة لليافعين لقضاء أوقات أطول في ممارسة الأنشطة البدنية والرياضية والتفاعل المباشر المثمر مع العائلة والأصدقاء، فضلاً عن تحسين جودة ونمو النوم والتحصيل الدراسي من خلال حظر التصفح الليلي الذي يعرض الأعين للضوء الأزرق ويحرم الدماغ من النوم العميق.
