لماذا يبدأ موسم كرة القدم صيفًا وينتهي في الربيع؟
كل عام، ومع حلول أغسطس، تعود كرة القدم إلى الواجهة من جديد: قمصان جديدة، وصفقات كبيرة، وطموحات جماهيرية وتوقعات بموسم استثنائي.
وبعد نحو تسعة أشهر، يحل مايو محملًا بالاحتفالات، وتتوج الفرق بالألقاب، بينما يبدأ موسم آخر في التشكل.
لكن وراء هذا الموعد التقليدي قصة تمتد لأكثر من 150 عامًا، فلم يكن اختيار أغسطس لبداية الموسم ومايو لنهايته قرارًا اتخذته كرة القدم الحديثة، وإنما نتيجة تراكمات تاريخية بدأت في إنجلترا، وتداخلت فيها الرياضة مع المدارس والطقس ووسائل النقل وحتى رياضة الكريكيت.
ملامح موسم كرة القدم
في أوائل القرن التاسع عشر، كانت كرة القدم تمارس بصورة أساسية داخل المدارس الإنجليزية، مثل إيتون وهارو ورجبي وتشارترهاوس، وكانت لكل مدرسة قواعدها الخاصة تقريبًا، ومع ذلك، اتفقت جميعها على تقسيم رياضي واضح؛ الكريكيت في الصيف، وكرة القدم في الخريف والشتاء، وذلك وفقًا لما نشره tribuna.
كان السبب عمليًا بالدرجة الأولى، فالكريكيت يحتاج إلى طقس جاف وملاعب جيدة التجهيز وساعات طويلة من ضوء النهار، بينما كانت كرة القدم أكثر ملاءمة للأجواء الباردة ولا تحتاج إلى تجهيزات معقدة.
ومع تأسيس كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1871، ترسخت فكرة إقامة كرة القدم خلال الشتاء، قبل أن يظهر دوري كرة القدم الإنجليزي عام 1888، بمشاركة 12 ناديًا فقط.
ولم يكن الأمر مصادفة أن يكون للكريكيت هذا الدور؛ إذ تأسست أندية كرة قدم عديدة على يد لاعبين أو أندية كريكيت أرادت الحفاظ على النشاط الرياضي خلال أشهر الشتاء.
كما كانت الملاعب تُستخدم للعبتين، فيحتلها الكريكيت خلال الربيع والصيف، ثم تنتقل إلى كرة القدم مع نهاية الموسم.
وبذلك، يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من التقويم الكروي الحالي بدأ كحل عملي لتنظيم العلاقة بين رياضتين تتقاسمان الملاعب نفسها.
لكن تطور كرة القدم لم يكن ممكنًا دون عامل آخر، هو السكك الحديدية. فقد سمح توسع شبكة القطارات في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر للفرق بالسفر لمسافات طويلة، وهو ما جعل إقامة مسابقات وطنية بنظام الذهاب والإياب أمرًا ممكنًا.
تطوير كرة القدم
لم يكن موسم كرة القدم في بداياته طويلًا كما هو الحال اليوم. فالموسم الأول لدوري كرة القدم كان يمتد تقريبًا من أواخر أغسطس أو سبتمبر وحتى أبريل، ولم يكن النادي يخوض سوى 22 مباراة في الدوري.
ومع توسع المسابقات وزيادة عدد الأندية، بدأت المواسم في التمدد تدريجيًا، ثم ظهرت البطولات القارية، وتطورت مسابقات الكأس، وأضيفت فترات التوقف الخاصة بالمباريات الدولية، حتى أصبحت الأندية الكبرى تخوض أكثر من 60 مباراة في الموسم الواحد.
وهكذا، لم يطل الموسم بسبب تغير الطقس، وإنما لأن كرة القدم نفسها أصبحت أكبر وأكثر تعقيدًا.
كما أدت الإضاءة وتطور الملاعب دورًا في جعل إقامة المباريات خلال الشتاء أكثر سهولة. ففي الماضي، كانت الثلوج والصقيع والأمطار والضباب تتسبب في تأجيل مباريات بالجملة، بينما ساهمت أنظمة تصريف المياه وتدفئة الملاعب وتقنيات صيانتها الحديثة في تقليل هذه المشكلة.
حتى مباريات فترة أعياد الميلاد ارتبطت في جانب منها بعوامل عملية؛ إذ كانت بعض المواجهات المحلية تُبرمج في هذه الفترة لتقليل مشقة السفر، قبل أن تتحول لاحقًا إلى واحدة من أشهر تقاليد كرة القدم الإنجليزية.
مواسم كرة القدم بالدول المختلفة
ومع انتشار اللعبة خارج بريطانيا، انتقل هذا النموذج إلى عديد من الدول الأوروبية، فأصبحت دوريات إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا والبرتغال تسير بصورة عامة وفق نظام يبدأ في أغسطس وينتهي في مايو، وهو ما ساعد مسابقات الاتحاد الأوروبي أيضًا على العمل وفق جدول موحد.
لكن هذا النظام لم يصبح قاعدة عالمية، فدول مثل النرويج والسويد وفنلندا اختارت إقامة مواسمها خلال أشهر الطقس الأكثر ملاءمة، بسبب الثلوج وبرودة الشتاء وقلة ساعات النهار، أما البرازيل، فطورت نموذجًا مختلفًا يجمع بين البطولات المحلية وبطولة الدوري الوطني.
وفي الولايات المتحدة، سارت الدوري الأمريكي لكرة القدم لسنوات وفق موسم يبدأ في فبراير وينتهي في نوفمبر، قبل أن تتجه المسابقة إلى تغيير نظامها والانتقال إلى موسم صيفي-ربيعي بدءًا من موسم 2027-2028، بهدف الاقتراب من روزنامة كرة القدم العالمية وتسهيل حركة اللاعبين والصفقات.
وفي النهاية، فإن موسم كرة القدم الذي يبدو اليوم وكأنه نظام ثابت ومخطط منذ البداية، لم يكن كذلك. لقد تشكل تدريجيًا بفعل المدارس الإنجليزية، ومواعيد الكريكيت، والسكك الحديدية، والطقس، ثم توسع مع نمو كرة القدم وتحولها إلى صناعة عالمية.
ولهذا يبدأ الموسم في أغسطس وينتهي في مايو؛ ليس لأن هذه الفترة هي المثالية بالضرورة، وإنما لأن أكثر من قرن ونصف من تاريخ اللعبة جعل هذا الموعد جزءًا من البنية الأساسية لكرة القدم الحديثة.
