كيف تحافظ على هدوئك حين يحبس بريد إلكتروني أنفاسك؟
تسلّل قلق البريد الإلكتروني إلينا؛ إذ نشعر بثقل غريب عندما يتعيّن علينا الرد على بريدٍ إلكتروني وصل إلينا للتو، ولكن حتى لو أجّلنا الرد على البريد الإلكتروني لتجاوز القلق، فإنّ أنفاسنا قد تتوقّف لوهلة عند سماعنا نغمة إشعار البريد الإلكتروني.
نعم انقطاع التنفس بسبب البريد الإلكتروني ظاهرة أخرى غير القلق؛ إذ تصير أنفاسنا ضحلة أو تنقطع بُرهة من الوقت دون أن نشعر. وذلك بمثابة محاولة من عُقولنا للحفاظ على تركيزنا بلا تشتيت من البريد الإلكتروني، لذا يُوقِف الدماغ التنفّس هنيهة.
وربّما لم تلاحِظ حدوث ذلك معك قبل قراءة هذه السطور، فهل هذا الانقطاع الطفيف في التنفّس مُقلِق؟ وكيف تحافظ على إيقاع تنفّسك الطبيعي مهما كان المحتوى الذي يحمله البريد الإلكتروني إليك؟
ما هو انقطاع التنفس بسبب البريد الإلكتروني (Email apnea)؟
يقول "نيراج نايك" خبير التنفس الرائد عالميًا ومُؤسّس المدرسة الدولية للتنفس "SOMA Breath": "انقطاع التنفس عند استقبال البريد الإلكتروني هو ظاهرة يحبس فيها الناس أنفاسهم دون وعي أو يصير تنفسهم ضحلًا عندما يستجيبون للبريد الإلكتروني أو الرسائل النصيّة".
وكانت "ليندا ستون" الكاتبة والباحثة والمديرة التنفيذية السابقة في شركتَي أبل ومايكروسوفت، أول من صاغ مفهوم انقطاع التنفس بسبب البريد الإلكتروني في عام 2008، بعد أن لاحظت تسارُع أنفاسها الضحلة أو عدم التنفس على الإطلاق، بينما تجلس وتكتب على شاشة جهاز الحاسوب الخاصّ بها.
ولمّا أرادت إجابة شافية لحالتها، انغمست في الأدب وتحدّثت إلى الأطباء وأجرت أبحاثًا خاصّة بها، وفي نهاية المطاف، وجدت أنّها ليست الوحيدة التي انقطع تنفّسها أو تغيّر في أثناء العمل.
ويقول "نايك": "إنّ بحث "ستون" رصد أنماط التنفّس لدى مئات الأشخاص في أثناء جلوسهم أمام الحاسوب، ووجد أنّ نحو 80% من الأشخاص كانوا يحبسون أنفاسهم دون وعي أو يصير تنفسهم أصعب عندما يستجيبون للبريد الإلكتروني أو حتى الرسائل النصية".
حبس الأنفاس.. طريقة جسمك لإعادة توجيه تركيزك الكامل
لماذا تنقطع أنفاسنا لثوانٍ معدودة أمام البريد الإلكتروني؟ هل لأنّنا متوترون بما فيه الكفاية ولسنا في حالٍ يسمح باستقبال مزيدٍ من أعباء العمل؟ أم لأنّ العمل استنزف تركيزنا كلّه، ففاجأنا البريد الإلكتروني على غفلة؟
أظهر بحث عام 2020 في دورية "Nature Communications" أنّه عندما يستغرق شيء ما تركيزنا الكامل (مثل فتح رسائل صندوق بريد ممتلئ)، فإنّ الدماغ يوقِف غريزيًا الأنشطة اللاواعية، مثل التنفس أو القدرة على ملاحظة الجوع أو درجة الحرارة، لتوجيه طاقة الذهن نحو المهمة المطروحة.
ويوضّح "نايك" أنّ هذه الظاهرة ليست مُختصّة برسائل البريد الإلكتروني، بل أنّ حبس النفس أمر غريزي لمساعدة الأشخاص على التركيز على ما يفعلونه، ومِنْ ثمّ يثبّط الدماغ الأنشطة اللاواعية مؤقتًا، كالتنفّس، كي يوجّه الدماغ موارده نحو المهمة الصعبة التي بين يديك بالفعل.
هل يحمل حبس النفَس أخطارًا صحية؟
لا يحمل حبس النفَس لثوانٍ بينما تطالِع بريدك الإلكتروني أخطارًا صحية ما دام يحدث على فترات متباعدة، ولكن إذا بدأ حدوث هذه الظاهرة بانتظام في أنشطتك اليومية، كالقراءة أو الرد على رسائل البريد الإلكتروني، فقد يُصبِح أثرها مزمنًا.
وفي تحقيق "ستون" استشهدت بنتائج الدكتورة "مارغريت تشيسني" والدكتور "ديفيد أندرسون"، وكلاهما كانا يعملان سابقًا في المعهد الوطني للصحة "NIH" والتي تفسّر الآثار الفسيولوجية لحبس النفس التراكمي؛ إذ يُسبّب اختلال التوازن الدقيق بين مستويات الأكسجين وثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتريك في الجسم.
والأكسجين هو مصدرك الرئيس للطاقة، وثاني أكسيد الكربون الموجود في الدم يُمكِّن الأكسجين من مغادرة مجرى الدم والدخول إلى جسمك.
أمّا أكسيد النيتريك فدوره الرئيس غير معروف بالضبط، ولكن يقول "بيرس رايت" الصحفي العلمي الراحل في وثيقة كتبها للجمعية الملكية ورابطة كُتّاب العلوم البريطانيين:
"يستخدم الجهاز المناعي أكسيد النيتريك في مكافحة الالتهابات الفيروسية والبكتيرية والطفيلية والأورام، كما ينقل أكسيد النيتريك الرسائل بين خلايانا العصبية ويرتبط بعمليات التعلّم والذاكرة والنوم والشعور بالألم وربّما الاكتئاب".
لذا فإنّ تلك اللحظات القليلة التي تحبس فيها أنفاسك ربّما تنعكس على كلّ هذه الوظائف، بما في ذلك استيعابك للمعلومات وإنجازك للمهام.
استجابة التوتر.. تابع آخر من توابع حبس النفَس
كذلك فإنّ انقطاع التنفس بسبب البريد الإلكتروني قد يضعنا دون وعي منا في حالة استنفار جسدي؛ إذ تنشط استجابة التوتر في الجسم كاملًا، والتوتر ذاته مرتبِط بكثيرٍ من الأمراض والمشكلات الصحية.
فالعمل لساعات طويلة مُحدِّقًا في الشاشات، إلى جانب أداء مهام ثقيلة ذهنيًا، بينما لا تجلس بوضعية تَحفظ صحتك، فكلّ ذلك يزيد من احتمالية التعرّض لانقطاع النفَس بسبب البريد الإلكتروني.
كما أن الانحناء أمام الشاشات يضغط الصدر، ما قد يجعل التنفس أقل عُمقًا؛ أي أكثر ضحالة، حسب الدراسة المنشورة عام 2018 في دورية "Biomed Research International".
كيف تحافِظ على الإيقاع الطبيعي لأنفاسك خلال العمل؟
في المرة القادمة التي تردّ فيها على بريد إلكتروني أو رسائل نصية، توقّف لحظة وركّز مع نفسك بدقّة؛ كيف تجلِس؟ هل تنفسك صار ضحلًا؟ هل تشعر بتوترٍ يكاد يلتهم عقلك؟ هل تسارعت أنفاسك أم توقّفت هُنيهة؟
ربّما في تلك اللحظة الدقيقة تجد أنّ أنفاسك توقّفت لحظيًا دون أن تدرِك ذلك من قبل، ومع ذلك يمكِنك تدريب عقلك على التركيز على المهمة التي بين يديك دون أن تُوقِف أنفاسك، وقد يساعدك هذا التدريب البسيط على الأنفاس الثلاثة على بلوغ غايتك، حسب منصة "Psychology Today":
- اجلس بوضعية تحافظ على استقامة جسمك ومريحة لك أيضًا، ويمكنك أن تغمض عينيك أو تبقِيهما مفتوحتَين جُزئيًا، مع التركيز على مكان ما على الأرض على بُعد بضعة سنتيمترات (لا تُركِّز على الشاشة القابعة أمامك).
- اشعر بأنفاسك الطبيعية تسري داخل أنفك، ولست بحاجةٍ إلى حبْس أنفاسك أو تغيير إيقاع التنفّس أو التحكّم فيه، فقط اشعر به.
- لاحظ الأحاسيس خلال الاستنشاق، ثُمّ تابِعها مُجددًا خلال الزفير.
- اشعر بالاستنشاق الكامل التالي، وكذلك الزفير الكامل التالي، وإذا كان عقلك مُشتتًا، أعِد توجيه انتباهك دون أن تُطلِق أحكامًا على نفسك أو تنتقد ذاتك.
- استمرّ في الشعور بالتنفس الثالث والأخير، وأحاسيس الاستنشاق الطبيعي والزفير كذلك.
- امنح نفسك لحظة للوقوف والتمدّد وحتى المشي للحظة أو اثنتين قبل أن تعود إلى العمل.
كيف توقِف عادة حبس الأنفاس إذا كان لديك ضغط موعد تسليم؟
ربّما لا تصلح لك طريقة الأنفاس الثلاثة إذا كُنت مضغوطًا أمام موعد تسليم قريب -رغم أنّ التجربة تستحق وهي لا تستغرق وقتًا- لذا ثمّة طرق أخرى يمكنك تجربتها في أثناء العمل، فقط لاحظ اتّساع صدرك بينما تملؤه بالهواء، وهبوطه بينما تزفر وتطرد آخر ما تبقّى من هواء في رئتيك.
كما أنّ إطالة الزفير عمدًا قد يساعد على تقليل التوتر، مثل طريقة التنفس 4-7-8، التي تتضمّن أداء ما يأتي لأربعة أنفاس:
- الاستنشاق لأربع ثوان.
- التوقّف وحبس النفس لمدة 7 ثوانٍ.
- الزفير بصوت مسموع لمدة 8 ثوان.
في النهاية أجسامنا تمتلئ بتفاصيل لا تنتهي، وفي كلّ ثانية تحدث تغيّرات لا نراها، ومن بينها هذا الانقطاع في التنفّس بينما تقرأ بريدًا إلكترونيًا استقبلته لتوّك بينما أنت منهمِك في عملك، وإذا ركّزت في تلك اللحظة وجرّبت طريقة الأنفاس الثلاثة، لربّما هدأ ذهنك وانضبط تنفّسك، وعُدت إلى مهامك بتركيزٍ أفضل.
