المنتخب السعودي في مونديال 2026: طموحات تتجاوز المستطيل الأخضر
مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يستعد المنتخب السعودي لخوض واحدة من أكثر المشاركات أهمية في تاريخه الحديث.
فالبطولة التي انطلقت يوم الخميس 11 يونيو لا تشبه أي نسخة سابقة، سواء من حيث حجمها أو ظروفها أو التوقعات المحيطة بالمنتخبات المشاركة.
وللمرة الأولى في تاريخ المونديال، سيرتفع عدد المنتخبات إلى 48 منتخبًا، ما يفتح آفاقًا جديدة للمنافسة ويمنح المنتخبات الطامحة فرصًا أكبر لبلوغ الأدوار الإقصائية.
لكن خصوصية مشاركة "الأخضر" لا ترتبط فقط بالنظام الجديد للبطولة، بل أيضًا بالمكانة التي باتت تحتلها المملكة العربية السعودية على خريطة الرياضة العالمية.
فبعد سنوات من الاستثمارات الضخمة والتطوير المتسارع في مختلف القطاعات الرياضية، لم يعد المنتخب السعودي مجرد ممثل للقارة الآسيوية، بل أصبح واجهة لمشروع رياضي واسع النطاق تسعى المملكة من خلاله إلى ترسيخ حضورها الدولي، خاصة مع اقتراب استضافتها المرتقبة لكأس العالم 2034.
ما الذي تغير منذ قطر 2022؟
لا يزال الانتصار التاريخي على منتخب الأرجنتين في افتتاح مشوار السعودية بكأس العالم 2022 حاضرًا في ذاكرة جماهير كرة القدم حول العالم، فقد نجح الأخضر يومها في إلحاق الهزيمة الوحيدة ببطل العالم لاحقًا، في واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ البطولة.
لكن السنوات التي تلت ذلك الانتصار شهدت تحولات أعمق من مجرد نتائج داخل المستطيل الأخضر، فقد انطلقت السعودية في مشروع رياضي ضخم جذب أسماء عالمية بارزة إلى الدوري المحلي، يتقدمها البرتغالي كريستيانو رونالدو والفرنسي كريم بنزيما والبرازيلي نيمار، ضمن استثمارات ضخمة رفعت من القيمة الفنية والتسويقية للمسابقة.
في المقابل، ظهرت تحديات جديدة تمثلت في تراجع عدد دقائق اللعب التي يحصل عليها اللاعبون السعوديون في أنديتهم، وهو أمر انعكس بصورة مباشرة على المنتخب الوطني.
وقد اعترف المدرب الحالي جيورجيوس دونيس بأن فرص مشاركة اللاعبين المحليين أصبحت أقل مما كانت عليه في السابق، مؤكدًا أن المنتخب يحتاج إلى لاعبين يشاركون باستمرار ويملكون الإيقاع التنافسي المطلوب على أعلى المستويات.
من التصفيات إلى النهائيات.. طريق لم يكن سهلاً
لم تكن رحلة السعودية إلى كأس العالم 2026 سهلة كما حدث في بعض التصفيات السابقة، فالأخضر لم ينجح في حجز بطاقة التأهل المباشر، واضطر لخوض الملحق الآسيوي قبل أن يحسم تأهله بفارق الأهداف فقط عن العراق الذي تأهل بدوره بعد ذلك عن طريق الملحق القاري.
وخلال تلك الفترة شهد المنتخب حالة من عدم الاستقرار الفني. فقد بدأت التصفيات تحت قيادة الإيطالي روبرتو مانشيني، قبل أن تتم إقالته بسبب تراجع النتائج.
ثم عاد الفرنسي هيرفي رينارد إلى منصبه الذي سبق أن قاد من خلاله المنتخب إلى مونديال قطر 2022، لكنه لم ينجح في استعادة الزخم السابق رغم التأهل إلى النهائيات.
وجاءت سلسلة من النتائج السلبية عقب التأهل، من بينها الخسارة الثقيلة أمام مصر وديًا، لتدفع الاتحاد السعودي إلى اتخاذ قرار جديد بتعيين المدرب اليوناني جيورجيوس دونيس قبل أقل من شهرين على انطلاق البطولة.
ويُعد دونيس من أكثر المدربين معرفة بالكرة السعودية، بعدما تولى تدريب أندية الهلال والوحدة والفتح والخليج على مدار السنوات الماضية، كما سبق له التأكيد مرارًا أنه يفهم طبيعة اللاعب السعودي ويمتلك معرفة عميقة بما وصفه بـ"الحمض النووي" لكرة القدم في المملكة.
جيل بين الخبرة والطموح
يدخل المنتخب السعودي مونديال 2026 بتشكيلة تجمع بين الخبرة والطموح، ويظل سالم الدوسري أحد أبرز الأسماء داخل المجموعة باعتباره قائدًا ميدانيًا وصاحب خبرة كبيرة في البطولات الكبرى، إلى جانب مجموعة من اللاعبين الذين شاركوا في مونديال قطر واكتسبوا خبرات دولية مهمة.
في المقابل، يعول الجهاز الفني على عدد من العناصر الشابة التي برزت خلال السنوات الأخيرة، أملاً في صناعة توليفة قادرة على المنافسة أمام منتخبات الصف الأول عالميًا.
ورغم أن قائمة الأخضر تضم محترفًا واحدًا فقط خارج الدوري السعودي هو الظهير سعود عبد الحميد لاعب نادي لانس الفرنسي، فإن الاحتكاك اليومي بالنجوم العالميين داخل الدوري السعودي يُنظر إليه باعتباره عاملًا إيجابيًا يمكن أن ينعكس على تطور اللاعبين السعوديين من الناحية الفنية والذهنية.
فرص الأخضر في نسخة 2026
أسفرت القرعة عن وقوع المنتخب السعودي في المجموعة الثامنة إلى جانب إسبانيا وأوروجواي والرأس الأخضر، وهي مجموعة تبدو صعبة على الورق، لكنها ليست مستحيلة.
ويرى كثير من المحللين أن النظام الجديد للبطولة يمنح الأخضر فرصة حقيقية للمنافسة على إحدى بطاقات التأهل، خصوصًا مع إمكانية صعود ثمانية من أصحاب المركز الثالث إلى الدور التالي.
فرص المنتخب السعودي ستعتمد على عدة عوامل رئيسة، أبرزها قدرة اللاعبين الأساسيين على الوصول إلى أعلى درجات الجاهزية، واستقرار الجهاز الفني بقيادة دونيس، ونجاح الفريق في استعادة الروح القتالية التي ظهر بها أمام الأرجنتين في مونديال قطر.
أما من الناحية الواقعية، فإن المنافسة مع الرأس الأخضر على المركز الثالث قد تكون مفتاح العبور إلى الدور التالي، في حين سيحتاج الأخضر إلى تقديم مستويات استثنائية أمام إسبانيا وأوروجواي إذا أراد تحقيق مفاجأة جديدة.
الجماهير السعودية.. السلاح الدائم
منذ أول مشاركة سعودية في كأس العالم بالولايات المتحدة عام 1994، أثبتت الجماهير السعودية أنها أحد أبرز عناصر القوة خارج الملعب. فقد رافقت المنتخب في مختلف مشاركاته العالمية، وقدمت صورة مميزة عن الحضور السعودي في أكبر المحافل الرياضية.
في 2022 صنعت الجماهير السعودية الحدث بشكل لافت، خصوصًا بعد الفوز على الأرجنتين والهتافات خفيفة الظل التي سخرت من الخسارة الأرجنتينية ومن النجم ليونيل ميسي وكانت حديث العالم لأيام طويلة ولا تزال مرتبطة بالذاكرة الجماعية لكأس العالم.
ويتوقع أن تشهد نسخة 2026 حضورًا جماهيريًا سعوديًا كبيرًا في مدن أمريكا الشمالية، خاصة مع الاهتمام المتزايد بكرة القدم داخل المملكة، ووجود برامج سفر ومتابعة تتيح للمشجعين مرافقة المنتخب خلال البطولة.
ولا يقتصر دور الجماهير على الدعم المعنوي فقط، بل يمتد أيضًا إلى تقديم صورة حضارية وثقافية عن المملكة، وهو ما ظهر بوضوح خلال مونديال قطر 2022.
3 سيناريوهات محتملة
هناك سيناريو متفائل يتمثل في نجاح المنتخب السعودي في تكرار أفضل إنجازاته وهو إنجاز مونديال 1994 حين تأهل إلى دور الـ16 أو أبعد من ذلك، مستفيدًا من خبرة لاعبيه والنظام الجديد لكأس العالم.
أما السيناريو الواقعي، فيتمثل في استمرار المنافسة على إحدى بطاقات التأهل حتى الجولة الأخيرة من دور المجموعات، وهو الاحتمال الذي يراه كثير من المتابعين الأقرب للحدوث.
في المقابل، يبقى السيناريو الأكثر تشاؤمًا مرتبطًا بعدم قدرة المنتخب على مجاراة منتخبات المجموعة، خاصة إذا استمرت المشكلات المرتبطة بقلة مشاركة بعض اللاعبين بانتظام مع أنديتهم.
محطة مفصلية قبل 2034
إذا كان مونديال 2022 قد منح السعودية واحدة من أكبر لحظاتها الكروية عبر الفوز على الأرجنتين، فإن مونديال 2026 يضعها أمام تحدٍ مختلف؛ إثبات أن ما تحقق لم يكن لحظة استثنائية عابرة، بل جزء من مسار طويل يقود نحو استضافة كأس العالم 2034. وبين الحدثين، يقف الأخضر أمام فرصة جديدة لكتابة فصل أكثر نضجاً في تاريخه العالمي.
