هل يستطيع البشر البقاء على قيد الحياة بنوع واحد من الطعام إلى الأبد؟
تاريخنا البيولوجي الممتد عبر ملايين السنين لم يُصمم ليتحمل الرتابة الغذائية؛ فالجسد البشري نتاج تنوع هائل في مصادر الغذاء، ولا يمكن لأي طعام منفرد على وجه الأرض، مهما بلغت قيمته الغذائية، أن يلبي احتياجات هذا الجسم المعقد.
ولعل الرحلات البحرية عبر المحيط الأطلسي في القرن الثامن عشر تقدم لنا درسًا قاسيًا في هذا الصدد؛ حيث كان البحارة البريطانيون يموتون ليس بسبب الجوع، فقد كانت بطونهم ممتلئة باللحم المملح، ولكنهم كانوا يموتون بسبب غياب جزيء واحد صغيرٍ للغاية، وهو فيتامين سي.
وتؤكد الدراسات الطبية أن البشر يفتقرون تمامًا إلى الجين الوظيفي المسؤول عن توليد حمض الأسكوربيك "فيتامين سي" داخليًّا، ما يعني أن مخزون الجسم من هذا الفيتامين يمكن أن ينفد تمامًا في فترة تراوح بين شهر إلى ثلاثة أشهر فقط إذا غاب عن الطعام، لتبدأ أعراض النزف وظهور الكدمات وضعف التئام الجروح في الظهور سريعًا، بينما كان العلاج تاريخيًّا بسيطًا للغاية، ولا يتعدى حبة ليمون واحدة.
ملايين السنين من التنوع: التطور لا يدعم الرتابة
العودة إلى التاريخ التطوري للإنسان تكشف أن التنوع الغذائي لم يكن مجرد رفاهية، بل كان المحرك الرئيس لبقائنا وتطورنا؛ فالأدلة الحفرية والتحليلات النظيرية لأسنان الأسلاف تُظهر أن الصيد وجمع الثمار شكّلا أساس تغذية البشر لنحو 99% من تاريخهم.
ولم تظهر الزراعة إلا قبل حوالي 12 ألف عام فقط، وقبل ذلك، كان النظام الغذائي البشري يتسم باتساع مذهل يشمل البذور، والفواكه، واللحوم، ونخاع العظام، ويتغير بتغير الفصول والجغرافيا.
الضحية الأولى للنظام الأحادى
تحتوي أمعاء الإنسان على ما يقرب من 100 تريليون خلية ميكروبية، وهو رقم يضاهي أو يفوق عدد خلايا الجسد نفسه؛ إذ تعمل هذه البيئة الميكروبية الشاملة كشريك نشط يصنع مركبات تعجز خلاياك عن إنتاجها، ويقمع الالتهابات، ويوجه الاستجابات المناعية، بل ويؤثر في الحالة المزاجية عبر المحور الرابط بين الأمعاء والدماغ.
وتشير الأبحاث المنشورة في "المجلة البريطانية للتغذية" إلى أن النظام الغذائي طويل المدى هو العامل الخارجي الأكبر الذي يحدد تركيبة ميكروبيوم الأمعاء؛ فالأنظمة الغنية بالألياف النباتية المتنوعة تحفز نمو البكتيريا النافعة وتزيد من إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، مثل البوتيرات، التي تحافظ على سلامة جدار الأمعاء، وتقلل الالتهابات الجسدية، وتدعم الصحة الأيضية.
وعند إقصاء هذا التنوع، والاعتماد على طعام واحد فقط، يحدث خلل حاد في التوازن البكتيري، وتنهار التعددية الميكروبية، ما يمهد الطريق لنمو البكتيريا الضارة، وتصاعد مخاطر الإصابة بالسمنة، ومرض السكري من النوع الثاني، وأمراض الأمعاء الالتهابية.
وحتى الأطعمة بالغة الغنى بالعناصر الغذائية مثل البيض أو السلمون، تعجز بمفردها عن توفير الألياف والمركبات الحيوية الضرورية لاستدامة ميكروبيوم صحي ومتنوع.
فخ الأنظمة الغذائية المتطرفة: كلفة الخروج عن الفطرة
الوتيرة المتسارعة لتغير الثقافة الغذائية الحديثة تجاوزت بمراحل سرعة التكيف الجيني لأجسادنا، ما خلق فجوة فسيولوجية ندفع ثمنها من صحتنا. وهذا يفسر الخلل العلمي الواضح في بعض الصرعات الغذائية الحديثة المتطرفة، مثل "حمية الأسد"، التي تقصر طعام الإنسان على لحوم الحيوانات المجترة، والملح، والماء فقط، بدعوى التخلص من مسببات الالتهاب.
ورغم أن هذا الإقصاء الصارم قد يحمل مبررًا مؤقتًا لبعض المرضى الذين يعانون حالات مناعية مستعصية تحت إشراف طبي دقيق، إلا أن أثره على المدى الطويل يحمل أضرارًا بيولوجية بالغة؛ فهذا النظام يفتقر تمامًا إلى فيتامين سي، ويخلو من الألياف الغذائية الداعمة للميكروبيوم، ويحرم الجسد من مضادات الأكسدة النباتية، ما يؤدي في النهاية إلى تقليص التنوع البكتيري ورفع مؤشرات الالتهابات العامة في الجسد.
وحتى الأنظمة الأكثر توازنًا، مثل الاعتماد على الأسماك كمصدر وحيد للحوم، يمكن أن تؤدي إلى فجوات في العناصر المهمة، مثل نقص الحديد، إذا لم يترافق معها اهتمام بالتنوع النباتي، والبقوليات، والحبوب الكاملة.
