الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي.. هل يهدد مهاراتنا البشرية؟
بمُجرّد أن تطلب من أدوات الذكاء الاصطناعي أمرًا ما، تجِد الإجابة مستفيضة أمامك دون عناء، وإذا أردت مزيدًا من التفاصيل، استرسلت في الأسئلة، واسترسلت معك الأدوات في الإجابة، وبالتأكيد بات من السهل الحصول على أي معلومة تريد أو تعلّم أي شيء ترغب به.
ولكن كلّ هذا ليس مجانًا، بل قد يكون ثمنه تركيزك وقدرتك على التفكير النقدي والتحليل، حتى خبرتك التي تراكمت على مدار السنين؛ إذ إنّ تعوّد هذا النمط ربّما يجعلك أقل مثابرة وصبرًا أمام المهام العميقة التي تحتاج إليك أنت قبل الذكاء الاصطناعي.
فهل يُنهِي عصر الذكاء الاصطناعي قدرتنا البشرية على المثابرة؟ وكيف نستعيدها قبل فوات الأوان؟
كيف تحوّل تركيزنا إلى وجبة شهية لوسائل الإعلام؟
تراجعت قدرتنا على التركيز مع التطور الطبيعي للعالم المعاصر، خصوصًا مع التغيّرات الطارئة على كيفية استهلاكنا لما تنتِجه وسائل الإعلام.
فقد بلغ متوسّط مدة مقدّمات الأغاني في عام 1986 لأفضل 100 أغنية في قائمة بيلبورد 23 ثانية قبل بدء الغناء، وبحلول عام 2015، انخفض متوسط مدة المقدمة إلى خمس ثوانٍ في المتوسط، ويمثّل هذا انخفاضًا بنسبة تزيد على 78%. وعلى نحوٍ مماثل أصبحت مقدمات البرامج التليفزيونية أقصر أيضًا.
وقد درس الباحثون هذا التغيير الهائل في مدى الانتباه أو التركيز، ففي عام 2004، كان متوسّط الوقت المستغرق على أي شاشة قبل تبديل المهام 2.5 دقيقة، وبحلول عام 2012، كانت المدة 75 ثانية فقط، ومنذ عام 2020 أصبحت نحو 47 ثانية فقط.
تأثير الذكاء الاصطناعي على التركيز.. الاستسلام الناعم
رغم أنّ الذكاء الاصطناعي حسّن الكفاءة والإنتاجية، وجعل المهام الروتينية أسهل، فقد كان له نصيب من تركيزنا أيضًا.
وفي دراسةٍ كبيرة أجرتها "Anthropic" عام 2026، تناولت كيفية استخدام الناس للذكاء الاصطناعي، وأظهرت أنّ الطلاب والمعلمين والأكاديميين كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن فوائد التعلّم، كما عبّروا عن قلقهم بشأن الضمور المعرفي (تراجُع القدرات الذهنية، مثل التفكير النقدي وحل المشكلات).
كذلك أظهرت مراجعة عام 2024 في دورية "Frontiers in Psychology" أنّ الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي لأداء المهام التي تتطلّب تفكيرًا أعمق قد يؤدي إلى:
- انخفاض المشاركة العقلية.
- إهمال المهارات المعرفية، مثل الحسابات أو استرجاع المعلومات.
- تقصير فترات الانتباه والتركيز.
- انخفاض سِعة الذاكرة.
- عدم القدرة على تطبيق المعرفة في مواقف جديدة.
10 دقائق من الذكاء الاصطناعي قد تشلّ تفكيرك
أظهر قدر كبير من الأبحاث أنّ الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي يشجّع الناس على التوقف عن التفكير النقدي، ولكن ما لا تعلمه أنّ جلسة مُدّتها 10 دقائق فقط بالاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، يمكِن أن تجعلك تتخلّى عن قدرتك على التفكير.
هذا ما أشارت إليه الدراسة المنشورة عام 2026، التي أجراها باحثون في جامعة كارنيجي ميلون، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة أوكسفورد، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.
ولإظهار تأثير الذكاء الاصطناعي، اختبر الباحثون مجموعتين من الأشخاص؛ واحدة تستعين بالذكاء الاصطناعي والأخرى تعمل بمفردها تمامًا، مع سحب المساعدة من المشاركين المستعينين بالذكاء الاصطناعي دون سابق إنذار في أثناء الاختبار، وتركهم لحلّ الأسئلة الثلاثة الأخيرة بأنفسهم.
مهارات المسائل الحسابية
اختبرت الدراسة مهارتين مختلفتَين، منها مهارة حلّ المسائل الحسابية القائمة على الكسور، ومن الطبيعي أن يكون الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي أسرع في حلّ المسائل الرياضية.
ولكن عندما طُلِب منهم العمل دون استخدام الذكاء الاصطناعي، كان معدّل الحل أقل بنحو 20%، مقارنةً بمن طُلِب منهم العمل بمفردهم طوال الطريق.
كذلك من استعانوا بالذكاء الاصطناعي كان لديهم معدّل تخطٍ مضاعف تقريبًا، ما يعني أنّهم اختاروا ببساطة عدم حلّ الأسئلة عندما غاب الذكاء الاصطناعي عن متناول أيديهم.
اختبار فهم المقروء
حدث شيء مماثل في اختبار فهم المقروء، رغم أنّ المتقدّمين للاختبار بمعاونة الذكاء الذكاء الاصطناعي لم يشهدوا مُعدّل حل أعلى بدرجةٍ ملحوظة مقارنةً بمن يعملون من دون الذكاء الاصطناعي.
وبدلًا من ذلك كان مُعدّل الحل مماثلًا حتى أُزِيل الذكاء الاصطناعي من الاختبار، وعند هذه النقطة شهد أولئك الذين كانوا يستعينون بالذكاء الاصطناعي انخفاضًا في الإجابات الصحيحة وارتفاعًا في معدّل التخطي.
ولاحظ الباحثون أنّ الأشخاص الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابات أظهروا أكبر الانخفاضات في الأداء.
أمّا المشاركون الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي للتلميحات بدلًا من حلّ الأسئلة نيابةً عنهم، فلم يلاحَظ أي ضعف كبير في أدائهم.
ويفترض الباحثون أنّ انخفاض الأداء هو نتيجة عامّة لحل المشكلات بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وليس خاصًا بمهمة مُعيّنة، نظرًا لتشابُه النتائج على صعيد المهام المتعلقة بالرياضات والقراءة.
هل يقلل الاعتماد على AI من قوة التفكير؟
ما كشفته الدراسة السابقة هو القشور فحسب، فالحقيقة أنّ هُناك ما يُعرَف "بالاحتكاك المعرفي" أو "Cognitive friction" وهو عملية التفكير ذاتها، وإنّ العقبات التي تواجِهك خلال التفكير ليست دليلًا على عدم كفاءتك مثلًا، بل هي الطريقة الوحيدة التي يتشكّل بها الفهم والاستيعاب الحقيقي في الواقع.
والذي تفعله نماذج اللغة الكبيرة أو نماذج الذكاء الاصطناعي هو أنّها تزيل هذه المقاومة، فهي تختصر عليك الطريق بدلًا من أن تفكّر وتحلّل.
وما يصل إليك في النهاية ليس مجرد إجابة، بل نوع من "الثقة التكنولوجية الزائفة" التي تمنحك شعورًا بالفهم والاستيعاب، دون أن تضطر إلى بذل الجهد والوقت المطلوبَين للفهم الحقيقي وليس الزائف.
قلة المثابرة والصبر.. نتيجة متوقّعة للاعتماد على الذكاء الاصطناعي
إذًا بعد أن يعطِيك الذكاء الاصطناعي نوعًا من "الفهم الزائف"، هل تكون مثابرًا في عملك أو مهامك كما كُنت؟ هل تُتعِب عقلك كما اعتدت أم تقف أمام النتائج وتتعامل معها كما هي؟
المثابرة ليست سمة شخصية، بل هي ممارسة معرفية، بمعنى أنّها رغبة مُدرّبة في البقاء مع المشكلة سعيًا لحلّها، عندما لا يكون الحلّ في متناول يدك بسهولة.
وهذه المثابرة المعرفية هي على وجه التحديد ما يتآكل مع خصْم الذكاء الاصطناعي من رصيدنا من التركيز والتفكير، فعندما تصل إلى الإجابة دائمًا، فإنّك تفقد التدرّب على تجربة العيش دون امتلاكها.
وما المشكلة في ذلك؟ المشكلة هي أنّ قدرتك على تحمّل الصعاب تتراجع، أو بالأحرى أن تكون حاضرًا بذهنك في منتصف عملية التفكير ذاتها.
من قلب الفوضى.. ينمو التفكير
يتعثّر العقل قبل أن ينمو، فالتجارب العميقة، مثل التدفق الذهني والاستبصار الحقيقي نادرًا ما تسلك طريقًا سهلًا ممهدًا، بل إنّ حالة التدفق الذهني تُولَد وتعيش على حافة الفوضى والتحدّي، لا في غيابهما.
وببساطة شديدة، إنّ بِنية الإدراك البشري تتطلّب وجود مقاومة ما ليدفع العقل ضدها ويتحدّاها.
هل يخصم الذكاء الاصطناعي من رصيد خبرتك؟
إذا كان هذا ما يفعله الذكاء الاصطناعي بتركيزنا وتفكيرنا، فربّما يمتدّ على الأرجح للتأثير في خبرتنا البشرية المتراكمة.
تتخيّل حكاية رمزية منشورة عام 2012 وجود "قرط هامس"، وهو قطعة من الجواهر السحرية تُقدِّم دائمًا نصائح متفوقة على ما قد يتوصّل إليه مرتديها بمفرده، ومن يرتديها ينتهي به المطاف إلى عيش حياة سعيدة بشكلٍ غير عادي.
ولكن بعد وفاة مرتديها، تبيّن أنّ الجزء من أدمغتهم المرتبط باتخاذ القرارات العُليا قد ضمُر، في حين أنّ الأجزاء المرتبطة بالأفعال الانعكاسية (اللاإرادية) قد نمت بصورةٍ مفرطة.
بالتأكيد أدركت ما نشير إليه الآن. صحيح أنّ الذكاء الاصطناعي يختصر الطريق كثيرًا، ولكن الخبرة البشرية تتشكّل من خلال المشاركة المجتهدة، وإذا تجنّبنا ذلك، فإنّنا نخاطِر بتآكل قدرتنا تلك بل بشريتنا.
10 دقائق من الذكاء الاصطناعي مقابل 10 آلاف ساعة من التعلّم
10 آلاف ساعة هو الاستثمار اللازم لإتقان أي مهارة، وهذه المهارة ليس لها طرق مختصرة، بل تتضمّن التفاعل والمشاركة المستمرّة بمشقّتها الطبيعية، فإنّنا نتحسّن من خلال تكرار دفْع أنفسنا إلى أقصى ما نستطيع.
ولذا فإنّ 10 دقائق فقط من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا تتناقض فقط مع قاعدة العشرة آلاف ساعة، بل إنّها تعمل ضد الشروط النفسية المسبقة التي تجعل العشرة آلاف ساعة ممكنة في المقام الأول.
أدوات الذكاء الاصطناعي.. بين المنع والاستخدام المتوازن
لا يعني كلّ ما سبق أن تغلِق الباب في وجه أدوات الذكاء الاصطناعي، فهي جزء من واقعنا، وإنّما ينبغي التعامُل معها بتوازن، يحافظ على قدراتك الذهنية وبشريّتك.
وأول ما يمكِنك فعله أن تحاول تجنّب الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في المهام التي تتطلّب تفكيرًا عميقًا، كُلّما أمكن ذلك.
علاوة على ذلك، فكّر في استخدام الذكاء الاصطناعي بطرقٍ مُعيّنة، تعزّز التفكير العميق، والإبداع، وتزيد كفاءتك.
وقد يكون من المفيد أن تدرِك متى تتحوّل من التفكير النقدي النشط إلى التفكير النقدي السلبي:
- هل تستخدم الذكاء الاصطناعي للتحقق من المعلومات نيابةً عنك بدلًا من محاولة العثور على مصادرك الخاصّة وفهمها؟
- هل تستخدم الذكاء الاصطناعي لوضع الأفكار موضع التنفيذ بالنسبة لك بدلًا من محاولة حلّ المشكلات؟
- هل تستخدم الذكاء الاصطناعي لمقارنة الأفكار أو ربطها أو دمجها أو الحُكم عليها بدلًا من تحليلها وتلخيصها وتقييمها بنفسك؟
إنّ معرفة متى تتحوّل إلى التفكير السلبي يمكِن أن يعِينك على تحديد ما إذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي مساعِدًا لك أم عائقًا أمام قدراتك الذهنية.
نصائح للحفاظ على تركيزك وصبرك في عصر الذكاء الاصطناعي
رغم أنّ الذكاء الاصطناعي جزء أساسي من عالمنا، وحياتنا اليومية، وكذلك عملنا، فلا يزال من الممكن الحفاظ على تركيزك ومثابرتك من خلال:
1. القراءة الهادفة
قبل أن تفتح كتابًا ما أو تقرأ مقالًا؛ اسأل نفسك: ما الذي أريد أن أتعلمه من هذا؟
إنّ تحديد نية واضحة يساعد الدماغ على اتخاذ قرار بأنّ هذه المادة تستحقّ الترسيخ في ذاكرتك، فالمعنى والأهمية يؤثِّر بدرجةٍ كبيرة في المعلومات التي يحتفظ بها دماغك.
2. القراءة الواعية
كذلك القراءة الرقمية جزء لا يتجزّأ من حياتنا، ولكن المشكلة ليست في جهاز كيندل أو القارئ الإلكتروني، بل في التمرير السلبي (Passive scrolling)، لذا بينما تقرأ:
- هيء الظروف للتركيز، باستخدام جهاز واحد، وإيقاف تشغيل الإشعارات، وتخصيص وقت للقراءة.
- دوّن بعض التعليقات بينما تقرأ، واكتب ملاحظات قصيرة تشرح سبب أهمية الفكرة.
- في نهاية كلّ فصل، أغلق الجهاز، ولخِّص الأفكار الرئيسة بكلماتك الخاصّة، فهذه من أقوى التقنيات لتعزيز الذاكرة.
3. الذكاء الاصطناعي شريك في التفكير
الذكاء الاصطناعي حليف قوي للتعلّم بلا شك، ولكن ضع في حُسبانك الأمور الآتية:
- صياغة ملخصاتك الخاصّة، ثُمّ مطالبة الذكاء الاصطناعي بنقده أو توسيعه أو تحدّيه.
- مطالبة الذكاء الاصطناعي باختبارك حول المفاهيم الأساسية، بدلًا من مطالبته بتلخيص الكتاب لك.
4. خصّص وقتًا لزيادة تركيزك
أيضًا يُفضّل اتباع النصائح الآتية لمساعدتك على تحسين تركيزك:
- تخصيص وقت خال من الأجهزة للقراءة العميقة.
- إقران القراءة بوقت تقضيه في الهواء الطلق، مثل المشي، فقضاء الوقت في الطبيعة يساعد على تحسين التركيز والذاكرة.
- تقليل تعدّد المهام، والعمل على كل مهمة على حدة.
في النهاية قد يخصم الذكاء الاصطناعي بالفعل من تركيزنا وقدرتنا على المثابرة والتفكير النقدي، وربّما يكون العقبة الأولى أمام تعلّم المهارات الجديدة التي أوصلتنا نحن البشر إلى إنتاج هذا الذكاء الاصطناعي، ولكن الاستخدام المتوازن لأدوات الذكاء الاصطناعي هو ما يحافِظ على مهاراتنا مع مواكبة أحدث ما أنتجت البشرية.
