التماسك الظاهري.. لماذا يعاني الرجال الناجحون في صمت؟
يبدو الكثير من الرجال الناجحين في حياتهم العملية والاجتماعية في حال مثالية من الخارج؛ فهم يلتزمون بمواعيدهم، ويؤدون واجباتهم نحو عائلاتهم بكفاءة عالية.
ورغم مرورهم بليالٍ طوال من الأرق أو ضغوط العمل المستمرة، ينظر المجتمع، والرجال أنفسهم، إلى هذا الإنهاك بوصفه ضريبة طبيعية لتحمل المسؤولية.
إلا أن هذه القدرة العالية على العطاء، والاعتقاد الراسخ بوجوب إنجاز كل شيء دون شكوى، هما العائق الأكبر الذي يحجب عن هؤلاء الرجال رؤية حجم الإنهاك النفسي.. فما الكلفة الحقيقية لـ "التماسك الظاهري"؟ ومتى يصل المرء إلى حافة الانهيار؟
الفجوة الرقمية: عزوف الرجال عن طلب الدعم
تظهر الدراسات الإحصائية تفاوتًا كبيرًا بين الرجال والنساء في الإقبال على الرعاية النفسية؛ فرغم تساوي مستويات الضغط النفسي أحيانًا، يميل الرجال إلى الصمت وتجنب طلب المساعدة. وتتضح أبعاد هذه الفجوة في النقاط التالية:
نسب الإقبال: تشير البيانات إلى أن حوالي 52% من النساء تلقين رعاية نفسية خلال عام، في مقابل 40% فقط من الرجال.
الفجوة العمرية: تزداد هذه الفجوة اتساعًا بين الشباب (من سن 18 إلى 25 عامًا)، حيث تزيد نسبة الإناث المقبلات على العلاج النفسي بمقدار 22 نسبة مئوية عن الذكور.
طبيعة العمل: يظهر هذا العزوف بوضوح في بيئات العمل؛ فبين أصحاب الوظائف المكتبية والإدارية، هناك رجل واحد فقط يطلب الدعم النفسي مقابل كل 10 رجال يعانون في صمت.
وتسوء هذه النسبة في المهن العمالية واليدوية لتصل إلى رجل واحد يتلقى العلاج مقابل 31 رجلاً يعاني خارج منظومة الدعم.
ولا تقتصر كلفة هذا العزوف على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد إلى أخطار حيوية؛ إذ تسجل الإحصاءات حالات وفاة ناتجة عن إنهاء الحياة بين الرجال بمعدل يقارب أربعة أضعاف المعدلات المسجلة بين النساء، بالرغم من أن النساء يُشخصن بالاكتئاب بنسب أعلى.
الكبت العاطفي وضريبة التماسك
يرتبط هذا العزوف بنزعة ذكورية شائعة نحو "الكبت العاطفي".
وتؤكد الدراسات النفسية المعاصرة أن الاعتماد على الكبت كوسيلة دفاعية أساسية يؤدي إلى نتائج عكسية تؤثر عميقًا في جودة الحياة، ومنها:
تراجع مستويات الدعم الاجتماعي والشعور بالوحدة.
ضعف الروابط الإنسانية وقلة الرضا عن الصداقات.
تدهور العلاقات العاطفية والزوجية.
على النقيض من ذلك، يهدف العلاج النفسي إلى تفكيك هذا الكبت، حيث يتعلم الفرد كيفية التعبير الواعي عن مشاعره ومواجهتها.
وأثبتت الأبحاث أن مجرد الكتابة التعبيرية عن التجارب المسببة للتوتر يسهم بشكل ملحوظ في تحسين المؤشرات النفسية والجسدية؛ فالكبت ببساطة يحرم صاحبه من فرصة تخفيف القلق، وإدارة الضغوط، والوقاية من ظلمات الاكتئاب.
بسبب النظرة المجتمعية والذاتية للرجل الناجح بوصفه شخصًا "شديد الكفاءة"، يصبح هؤلاء الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بـ متلازمة الاحتراق النفسي.
هذا المفهوم العلمي، الذي اعتمدته منظمة الصحة العالمية، لا يعني مجرد التعب العابر، بل هو مزيج معقد من:
الإنهاك البدني والنفسي الشديد.
النظرة التشاؤمية والسوداوية تجاه العمل والمستقبل.
الشعور الدائم بأن كل جهد مبذول هو جهد ضائع ولا قيمة له.
ولأن علامات الاحتراق ومؤشراته تكون خفية وصعبة الرصد لدى الرجال الناجحين، فإن الأعراض تترسخ وتزداد عمقًا بمرور الوقت دون علاج، حتى ينسى المرء كيف يبدو الشعور الطبيعي بالراحة والاتزان.
كيف يبدو الاحتراق؟
في المراحل الأولى، لا يشعر الرجل بوجود حالة طوارئ تستدعي التدخل، بل يشعر بعدم الارتياح، كأنه "ليس في كامل صحته النفسية" رغم إنجازه لمهامه اليومية وحضوره للاجتماعات بكفاءة.
وتتمثل أبرز المظاهر الخفية للاحتراق في:
تراجع فاعلية وسائل التأقلم: بذل جهود مضاعفة ومجهدة للحصول على نفس النتائج التي كان يحققها سابقاً بسهولة.
غياب متعة الاسترخاء: تحول الأنشطة الترويحية أو الرياضية إلى عبء وإجبار إضافي، بدلاً من كونها وسيلة لتفريغ الشحنات النفسية السلبية.
اضطرابات النوم الحادة: الأرق المستمر وعدم الشعور بالراحة أو تجدد الطاقة حتى بعد الاستيقاظ.
بلوغ الهدف دون بهجة: وهي العلامة الأكثر إرباكًا؛ حيث يحقق المرء الهدف المهني أو المالي الذي طالما سعى إليه، لكنه لا يشعر بأي رغبة في الاحتفال أو الرضا الداخلي.
