مشاعرك هي الفخ.. سر صادم وراء تمسك الضحايا بالعلاقات السامة
يعتقد كثيرون أن ضحايا الإساءة لا يغادرون علاقاتهم المؤلمة بسبب الاعتماد المادي أو الخوف أو العجز عن الرحيل؛ لكن بحثًا جديدًا نشرته جامعة كامبريدج يقدم تفسيرًا مختلفًا تمامًا: المشاعر نفسها قد تكون الفخ؛ إذ ليست خشية العقوبة هي ما يُبقي الضحية في مكانها، بل الحنين إلى لحظات الدفء ذاتها التي صنعها المُعنِّف بيديه.
سلاح التعلق العاطفي
رصد الباحثون ما أسموه "التعلق المُسلَّح"، وهو نمط سيكولوجي يلجأ فيه مرتكب العنف إلى توظيف الحنان، والقرب العاطفي، وإظهار الهشاشة الشخصية كأدوات متقدمة للسيطرة، بدلاً من الاعتماد على الخوف والتهديد وحدهما.
ويعمل هذا النمط عبر التبديل المتعمد بين الدفء والقسوة، بما يُعيد برمجة الاستجابة العاطفية للضحية تدريجيًا، حتى يصبح الشخص المصدر للأذى هو نفسه المصدر الوحيد والمنقذ لاستعادة الطمأنينة.
وتجسد قصة "ليزا" -التي استشهد بها الباحثون في دراستهم- هذا النمط بوضوح؛ فرغم أنها كانت تعمل وتتمتع باستقلال مالي كامل، إلا أنها وجدت نفسها أسيرة علاقة لم تحكمها قضبان مرئية؛ إذ افتتح شريكها العلاقة بإيلائها اهتمامًا استثنائيًا، وأشعرها بأنها مختارة ومفهومة ومُقدَّرة على نحو لم تألفه من قبل.
ليعقب ذلك الانقلاب المفاجئ متمثلاً في أيام من الدفء تليها أيام من الإهمال والسخرية.
وكلما اقتربت ليزا من قرار الرحيل، عاد الشريك بصوت ناعم ورسالة تلاعبية تقول: "أنت الوحيدة التي تفهمني"، وما إن تستجيب لذلك الصوت حتى تبدأ الدورة من جديد، مشحونة بمزيد من الارتباك والتبعية العاطفية.
تأثير الشرك المؤذي على الجهاز العصبي
ويشرح الباحثون أن هذا التناوب غير المنتظم بين الأذى والحنان يُدرّب الجهاز العصبي -وهو المنظومة البيولوجية المسؤولة عن تنظيم المشاعر والاستجابة للتوتر والخطر- على ربط زوال التوتر بعودة الشريك المُؤذي لا بغيابه
وبذلك تصبح مشاعر الشوق والفراغ التي تعقب الانفصال مجرد أثر لتكييف عاطفي مُصنَّع وممنهج داخل العلاقة عبر عمليات استمالة وتلاعب تراكمية، وليست دليلاً على حب حقيقي.
وما يجعل هذا النوع من السيطرة خطيرًا على نحو خاص هو ارتباطه في الوعي الجمعي بالحب والرعاية، مما يجعل التعرف على الإساءة عسيراً حتى على الضحية نفسها.
وعليه، فإن دموع الضحية حين تشتاق لشريكها المُعنِّف كثيرًا ما تُقرأ بشكل خاطئ كدليل على رابطة رومانسية عميقة، في حين أنها نتاج تكييف قسري أُنتج داخل العلاقة بأساليب منهجية.
وتأتي هشاشة الجاني المُعلنة، التي تظهر غالبًا في لحظات الأزمات أو حين يشعر بأن الضحية على وشك المغادرة، لتستجلب التعاطف وتُحرّك غريزة الحماية لديها، مُموّهةً بذلك الوظيفة التلاعبية التي تؤديها بذكاء داخل البنية الكاملة للعلاقة.
طريقة التعامل مع ضحايا العلاقات السامة
وبالتعاون مع منظمة "ذا بيكسل بروجكت" (The Pixel Project) الدولية المعنية بمكافحة العنف ضد المرأة، تُترجَم نتائج هذا البحث حالياً إلى ورقة عمل ودليل تطبيقي.
ويستهدف هذا التعاون مساعدة المختصين في التعرف المبكر على أنماط الإساءة غير الجسدية، وتدريبهم على التعامل مع الضحايا دون تكريس أحكام اجتماعية تُحمّلهم المسؤولية عما تعرضوا له، ودون الوقوع في فخ قراءة الارتباط العاطفي كدليل على الرضا أو القبول.
ويخلص الباحثون في نهاية المطاف إلى أن الرابطة العاطفية ليست مؤشرًا على السعادة بالعلاقة ولا على الرضا عنها، بل قد تكون أحد أبرز نتاجات السيطرة القسرية وأكثرها فاعلية وأصعبها كشفًا.
ومن ثم، فإن الشوق لمن آذاك لا يعني أبدًا أنك أردت الأذى، ولا يعني أن ما جرى كان حبًا بأي شكل من الأشكال.
