لماذا يولد الأطفال الرُضّع عاجزين تمامًا؟.. دراسة تكشف السر
كشفت دراسة حديثة عن مفارقة لافتة في طبيعة نمو الإنسان، تتمثل في أن الأطفال الرُضّع يولدون في حالة من العجز الجسدي الكامل تقريبًا، لكنهم في الوقت ذاته يمتلكون قدرة ملحوظة على إدراك العالم من حولهم والتفاعل معه منذ اللحظات الأولى.
سر عجز الأطفال عند الولادة
ولم يعد يُنظر إلى هذا التناقض كقصور -بحسب ما نشره موقع Earth.com- بل كجزء أساسي من آلية تطورية معقدة تدعم بقاء الإنسان وتطوره الاجتماعي.
وأوضح التقرير، الذي استند إلى أبحاث أكاديمية من بينها دراسات للباحث Stuart Hammond في University of Ottawa، أن الأطفال لا يُعدّون كائنات سلبية كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل يبدؤون منذ الولادة مباشرة في مراقبة البيئة المحيطة، والاستماع للأصوات، والاستجابة لمحفزات التواصل مع من حولهم.
وتشير النتائج إلى أن الرضع يحتلون موقعًا فريدًا بين الثدييات، حيث تتطور حواسهم مثل السمع والبصر بشكل مبكر، في حين تتأخر قدراتهم الحركية.
ويخلق هذا التباين مرحلة انتقالية تُعرف بـ"المنتصف النمائي"، تسمح للأطفال ببناء علاقات تفاعلية مع مقدمي الرعاية حتى قبل قدرتهم على الحركة المستقلة.
وعلى عكس بعض الحيوانات التي تولد قادرة على الوقوف أو الحركة خلال ساعات، أو أخرى تولد في حالة شبه خمول بحواس غير مكتملة، يأتي الإنسان بمزيج مختلف؛ إذ يولد بوعي حسي واضح، لكنه يعتمد كليًا على الآخرين في تلبية احتياجاته.
ويُقدّر حجم دماغ الرضيع عند الولادة بنحو 25% من حجم دماغ البالغ، ما يفسر قدرته على الإدراك المبكر، مقابل استمرار نموه بعد الولادة.
وتؤكد الدراسة أن هذا الاعتماد الطويل ليس نقطة ضعف، بل يمثل بيئة مثالية للتعلم فعمليات الرعاية اليومية مثل الحمل، والإطعام، والتهدئة، لا تضمن فقط بقاء الطفل، بل تشكل أيضًا خبراته الأولى في فهم العالم فبدلاً من أن يذهب الطفل إلى البيئة، يقوم مقدمو الرعاية بجلب البيئة إليه، ما يخلق تفاعلاً مستمرًا يثري نموه العقلي والاجتماعي.
وأظهرت أبحاث سابقة، أن الأطفال يشاركون بفاعلية في هذا التفاعل، حتى قبل القدرة على الزحف، من خلال حركات بسيطة مثل تعديل وضعيات أجسامهم عند حملهم، أو إصدار أصوات تجذب انتباه الكبار هذه الإشارات تُحوّل العلاقة إلى تواصل ثنائي الاتجاه، يساهم في تشكيل استجابات الآخرين.
العلاقة كبر حجم دماغ الإنسان وصعوبة الولادة
ويناقش الباحثون ما يُعرف بـ"معضلة الولادة"، والتي تربط بين كبر حجم دماغ الإنسان وصعوبة الولادة، ما يؤدي إلى قدوم الأطفال في مرحلة مبكرة نسبيًا من النمو.
ويرى العلماء أن هذه البداية المبكرة تطورت لاحقًا لتدعم التعلم والتفاعل الاجتماعي، وليس مجرد حل بيولوجي لمشكلة جسدية.
وخلص التقرير إلى أن فترة الاعتماد الطويلة لدى الإنسان قد تكون السبب الرئيسي وراء تطور قدراته الاجتماعية والثقافية، حيث تتيح سنوات الطفولة الممتدة فرصًا أوسع للتعلم والتقليد وبناء العلاقات وبذلك، لا يُمثل عجز الأطفال نقطة ضعف، بل حجر الأساس في تكوين الإنسان ككائن اجتماعي قادر على التعاون والتعلم المستمر.
