أخيرًا.. مارس التمارين للعقل والجسد بدون مجهود.. وهذا هو الحل
في خطوة جديدة تجمع بين علم النفس العصبي والتكنولوجيا الغامرة، أظهرت دراسة بحثية أن تدريب التنفس عبر ألعاب الواقع الافتراضي يمكن أن يُحسّن من قدرة الجسم على تنظيم استجابته الفسيولوجية للتوتر.
الدراسة التي أُجريت بقيادة لوسي دانيال-واتانابي وزملائها من جامعة كامبريدج، ونُشرت في مجلة Psychophysiology، طوّرت لعبة واقع افتراضي تعليمية تُدرّب المستخدمين على التحكم في تنفسهم في أثناء المواقف المجهدة، في محاولة لمحاكاة التحديات التي يواجهها الإنسان في الحياة اليومية.
تقول دانيال-واتانابي: "نُدرك جميعًا فعالية تمارين التنفس في تخفيف التوتر، لكن معظم الناس يتعلمونها في بيئة هادئة. الواقع الافتراضي يسمح لنا بنقل التدريب إلى مواقف ضاغطة، حيث يكون التنظيم الذاتي أكثر صعوبة — وأكثر فاعلية".
علاقة ألعاب الواقع الافتراضي بالتوتر
شارك في الدراسة عشرات المتطوعين الأصحاء الذين خضعوا في البداية لقياس معدل ضربات القلب وتقلبه ومعدل التنفس في حالة راحة.
بعد ذلك، ارتدوا سماعات الواقع الافتراضي وبدأوا تجربة داخل لعبة هادئة تُسمى "لعبة القارب"، حيث يجلس اللاعب على متن قارب في بحر ساكن ويتبع إرشادات تنفس بطيء: شهيق لخمس ثوانٍ، حبس النفس لخمس، ثم زفير لخمس أخرى، بمعدل أربع أنفاس في الدقيقة.
بعد دقائق من التدريب، انتقل المشاركون إلى بيئة افتراضية مختلفة تمامًا: زنزانة مظلمة يختبئون فيها من مخلوق خيالي يسمع دقات قلوبهم. كان على المشاركين استخدام تقنيات التنفس التي تعلموها لتقليل معدل نبضهم والحفاظ على “سلامتهم الافتراضية”، حيث كانت شاشة التغذية الراجعة الحيوية تعرض “درجة التوتر” بالألوان: أخضر للهدوء، وأحمر للخطر.
وأظهرت النتائج أن معدل تنفس المشاركين أثناء التجربة المجهدة انخفض بشكل ملحوظ مقارنةً بحالتهم الأولية، بينما ارتفع تقلب معدل ضربات القلب (HRV)، وهو مؤشر حيوي على تحسّن التنظيم الفسيولوجي للجسم في مواجهة الضغط النفسي.
يقول الباحث المشارك بنجامين كوك: "حتى في أكثر اللحظات توترًا داخل اللعبة، أظهر المشاركون قدرة على الحفاظ على التنفس المنتظم. هذا يعني أن الدماغ والجسم تمكنا من استدعاء مهارات التنظيم التي اكتسبوها خلال التدريب".
في المرحلة الثانية من الدراسة، قارن الباحثون بين مجموعة مدرَّبة وأخرى غير مدرَّبة. خضع الجميع أولًا لاختبار توتر أولي في مشهد "دخيل داخل المنزل"، ثم حصلت المجموعة التجريبية على تدريب إضافي باستخدام لعبة القارب مرتين أسبوعيًا.
عند اختبار المجموعتين مجددًا في لعبة الزنزانة، أظهرت المجموعة التي تلقت التدريب معدل تنفس أبطأ وتقلبًا أعلى في معدل ضربات القلب مقارنةً بالمجموعة الضابطة، ما يعكس تحسّنًا واضحًا في قدرتها على التحكم في استجاباتها الفسيولوجية.
تنظيم التوتر بفعالية فسيولوجية
توضح الباحثة غريس ليونغ أن هذه النتائج تشير إلى أن التدريب الافتراضي لم يُحسّن الأداء البيولوجي فحسب، بل رسّخ أنماطًا عصبية جديدة للتعامل مع التوتر: "لقد رأينا انتقالًا من التوتر غير المنظم إلى التوتر المتحكم فيه، بمعنى أن المشاركين تعلموا كيف يُهدّئون أجسادهم رغم المحفزات المجهدة".
اقرأ أيضا: عصابة الرأس Sometimes.. ابتكار جديد لتقليل التوتر
على الرغم من التحسّن الفسيولوجي، أفاد المشاركون المتدرّبون بأنهم شعروا بتوتر ذاتي أعلى من المجموعة غير المدربة. ويرجح الباحثون أن السبب هو قلق الأداء الناتج عن وعي المشاركين بأنهم يخضعون للتقييم.
كما أشار الفريق إلى بعض القيود التقنية في الدراسة الأولى، منها أعطال بسيطة في أجهزة التنفس وخطأ في الترميز أدى إلى ربط سرعة القارب بشكل غير صحيح بمعدل ضربات القلب، إلا أن الباحثين استبعدوا تأثير ذلك على النتائج.
ترى المؤلفة المشاركة جوهانا فينيمان أن هذه النتائج تُبرز إمكانات الواقع الافتراضي في تطوير برامج علاجية قائمة على التغذية الراجعة الحيوية، قائلةً: "نأمل أن يكون هذا النوع من التدريب وسيلة فعّالة لتعليم الناس كيف يظلون متّزنين في مواقف الحياة اليومية المجهدة، من مقابلة العمل إلى التحدث أمام الجمهور".
ويخطط الفريق لإجراء دراسات موسعة لاختبار ما إذا كانت المهارات المكتسبة في اللعبة يمكن نقلها إلى المواقف الواقعية، وللبحث في التباين بين استجابات الجسم والشعور الذاتي بالتوتر.
تختتم دانيال-واتانابي قائلةً: "قد لا نُغيّر العالم الواقعي من حولنا، لكن يمكننا استخدام العالم الافتراضي لتدريب عقولنا وأجسامنا على التعامل معه بشكل أفضل".
