القارىء كالحالب والسامع كالشارب
محمد النغيمش
من العبارات الجميلة في لغتنا العربية مقولة "القارىء كالحالب والسامع كالشارب". حينما تتأمل هذه المقولة تجدها تصف ببلاغة متناهية ماذا يحدث في عملية الاستماع والقراءة، وهما من وسائل التواصل. فالمستمع حينما يتناهى إلى أسماعه حديث شيق أو زاخر بالمعلومات المفيدة هو في الحقيقة كمن يتجرع كوبا من الشراب اللذيذ. ولاشك أن الاستماع إلى محتكر الحديث أو مدمن المقاطعات من دون مبرر هو أمر مرهق ذهنيا لأنه أشبه بانتظار دورنا في طابور الحديث. لكن الاستماع يصبح قمة في الإمتاع حينما نتبادل خلاله حوار ممتع أو مفيد لا يحتكر فيه طرف الحوار على حساب الآخر.
ولا يختلف اثنان على أن الاستماع لحديث "سهل ممتنع" ينساب إلى الآذان كما تنساب مياه الغدير في مجاريها. فمن الناس من يضيق ذرعا بنفور البعض من أحاديثه وينسى أنه هو المنفر بسبب احتكاره للحديث أو تحدثه بطريقة معقدة أو مسهبة لا تناسب أنواع المستمعين. وينسى أن لكل مقام مقال.
ومن جميل ما قرأت عن الاستماع، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي. قلت: اقرأ عليك (القرآن) وعليك أنزل؟ قال: فإني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" قال: أمسك. فإذا عيناه تذرفان. ونستشف من هذا مؤشر على أن لاستماع الإنسان إلى الآخرين لذه تشبه لذة الضمآن حين يرتوي، ولله ورسوله المثل الأعلى. ونكتشف أيضا أن أذن الإنسان مرهفة ولديها ذائقة وهذا ما يجعلها تطرب أو تأنس لسماع صوت ما. وهي بحد ذاتها وسيلة فعالة يمكن أن ننقل عبرها أحاسيسنا ومشاعرنا.
ويدرك أهمية انسياب الكلام على آذان المستمعين، أولئك الذين يحسنون إعداد الخطب الجماهيرية للقادة أو نصوص البرامج الإذاعية والتلفزيونية وذلك بقراءتها شفاهة "كبروفة" ليروا وقعها على أذن السامع. وهذا ما يدفعهم عادة للتنقيح المستمر لإزالة الكلمات النشاز لتتلقاها الآذان بأريحية مطلقة.
ويشبه الاستماع الشراب في أن منه ما هو مفيد، وضار وما هو بين الاثنين. ومنه ما يدس فيه المتحدث السم بالعسل كما يقال. ومنه أيضا ما يمدك بالطاقة الفورية كالمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة لكنه سرعان ما يخبو تأثيره. ومنه كالمنبهات التي توقظ حواسنا لفترة قصيرة لكن تأثيرها يتلاشى إن لم نأخذ قسطا كافيا من النوم المريح. وهذا يذكرنا بحقيقة الشعور الخادع بالملل حين ينتابنا أمام حديث يجمع من يتابعونه بأنه ممتع أو مفيد لكننا لا نستوعب ذلك بسبب الإرهاق الذهني الذي يتولد نتيجة قلة النوم. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن ليس قلة النوم وحدها من يفسد علينا متعة الاستماع بل ضعف جودته. ويحدث ذلك حينما لا ينام المرء جيدا في مرحلة "النوم العميق" التي تحدد جودة النوم من عدمه. وعادة ما يبدأ النوم العميق بعد ٩٠ دقيقة من الخلود للنوم.
إن القراءة والاستماع كلاهما من وسائل التعلم. وإذا كانت القراءة هي الأسلوب الشائع للتعلم فإن الاستماع وتحديدا الإنصات بكل جوارحنا هو لون منسي من وسائل التعلم السهل والممتع.
