You are here

×

طبيبي.. من فضلك لا تقاطعني

محمد النغيمش* حاول باحثون تصوير عيّنة من الأطباء، وهم يحاورون مرضاهم، وذلك في مسعى منهم لقياس كيف يقاطع المستمع محدثه في العيادات الطبية. وكان الهدف من البحث هو دراسة متى تحدث لحظة التداخل في الحديث overlapping، ومتى تقع المقاطعة بسؤال مباشر أو بعبارة عرضية. فتوصل الباحثون، من قسم علم النفس بجامعة "نورث إيسترن" الأمريكية في بوسطن، إلى أن الأطباء يقاطعون مرضاهم أكثر بأسئلة، فيما كانت معظم مقاطعات المرضى جملاً عرضية statements يتفوّهون بها. واللافت أنه لم يكن هناك فارق يذكر بين طول مدة الخبرة الوظيفية، وممارسة المقاطعة المذمومة. بمعنى آخر حتى الأطباء المخضرمون كانوا يقاطعون مثلهم مثل الأطباء الأصغر سناً. وربما يسأل سائل: ما المشكلة؟ ونقول إنه من البديهي أن نلاحظ أن مريضاً يشتكي ويتحدث بعفوية تارة، ومقاطعة تارة أخرى، بحكم حالته المرضية أو ألمه، فالمقاطعة وسرعة تحدث المريض تأتي على قدر الألم، لكن أن يقاطع الطبيب المهني مرضاه بكثرة غير مبررة، فهذا ينمّ عن أنه غير مدرب، أو أنه لا يلتزم بما تعلمه من أصول الإنصات إلى المرضى لفهمهم. خطورة كثرة المقاطعات تكمن في أنها تقطع حبل أفكار المريض. وكل معلومة يقدمها المريض تسهم في حُسن تشخيص أمراضه. فضلاً عن أن كل إنسان له طريقته في التحدث؛ فهناك البطيء وهناك السريع المباشر في طرحه. ودورنا أن ننصت بجوارحنا حتى لا نربك المتحدث. غير أن هذا الأمر لا يعني ألا يتفاعل الطبيب مع مريضه في الوقت المناسب. وهنا أتذكر أنني كتبت، في موضع سابق، أن طبيباً زرته ولم ينبس ببنت شفة وأنا أشكو مرضي. ثم قال فجأة بعد أن طبع كلمات في الحاسوب: "تفضل إلى شباك الصيدلية". مع أنه لم يسألني سؤالاً واحداً. وحينما قلت له: هناك عرض آخر أعاني منه فقال: "لا إذن في هذه الحالة سأصرف لك مضاداً حيوياً"! الطبيب مثله مثل أي إنسان لا بدّ أن يصغي إلى الشاكي حتى لا تفوته معلومة جوهرية تساعده في التشخيص. وما يقلقني أن عدداً من الدراسات تشير إلى أن الأطباء لم يعودا ينصتون بشكل جيّد إلى مرضاهم. وإحدى هذه الدراسات تلك التي ذكرتها في كتابي "لا تقاطعني" أظهرت أن 69 في المئة من الأطباء يقاطعون مرضاهم في أول 18 ثانية من شروع المريض بالتحدث. ونتيجة لذلك فإن 77 في المئة من المقابلات الطبية لم يتعرف الأطباء فيها إلى الهدف الرئيسي من زيارة المريض. وهذا ما يكشف جانباً مهماً من الخلل الذي يهدد سلامة المريض. حينما نذهب إلى الطبيب ننشد آذاناً صاغية قبل حفنة من دوائه. فنصْفُ الألم مشاعر سلبية سرعان ما تتلاشى، حينما ننعم بالجلوس إلى إنسان يدرك أن الإنصات بلسم لجروح الناس ومشاعرهم. *كاتب متخصص في الإدارة ومؤلف سلسلة كتب في فن الإنصات

التعليقات

أضف تعليق