المقارنة و«مغالطة الوصول».. لماذا تشعر بالفشل رغم نجاحك وتحقيق أهدافك؟
تصل الترقية وتدوم فرحتها أسبوعًا، ثم تجد نفسك تنظر إلى من حصل عليها قبلك. تشتري المنزل وبعد أيام تفكر فيمن اشترى مبكرًا وراكم قيمة أعلى؛ فالإنجاز يحدث، لكن الشعور بالفشل رغم النجاح لا يرحل، والإجابة قد نجدها في علم النفس.
لماذا يشعر الفردُ أنه متأخرٌ؟
يصف الباحث تي ألكساندر بوتيو في هارفارد ما يُسمّى "مغالطة الوصول": الاعتقاد بأن بلوغ الهدف التالي سيمنحك أخيرًا الإحساس بأنك على المسار الصحيح؛ لكن كل هدف في الواقع لا يُسدل الستار، بل يعيد ضبط الساعة من جديد نحو هدف أبعد، وفقًا لموقع psychology today.
هذا ما يجعل الشعور بالفشل رغم النجاح لزجًا لا يُمحى، إذ تنتهي كل محطة بسؤال جديد عن المحطة التالية، وتتحول الإنجازات إلى مجرد خط انطلاق لمقارنة مستأنفة.
في الثلاثينيات يبدو هذا الشعور على هيئة صديق اشترى منزلاً أو زميل جامعة يحمل لقب مدير، وفي الأربعينيات يتحول نحو الراتب والترقية والزواج المستقر، حتى إن من يرى أزواجًا مستقرين يتساءل ما الذي أدركوه وفاته هو.
وفي الخمسينيات تحلّ مخاوف التقاعد والصحة والرهن العقاري، والتساؤل عما إذا كنت قد أصبحت النسخة التي تخيّلتها لنفسك في الـ25؛ فالشكل يتغير والثقل لا يتغير، وهذا بالضبط ما يجعل جملة "كان يجب أن أكون أبعد من هذا" تلاحق الإنسان لعقود.
مفهوم الساعة الاجتماعية وآثارها النفسية
لعلم النفس تسمية للمقياس الخفي الذي يُولّد الشعور بالفشل رغم النجاح: "الساعة الاجتماعية"، وهي التسلسل التقريبي لأوقات الأحداث الكبرى في الحياة.
أنهِ الدراسة، ابدأ العمل، اعثر على الشريك، اشترِ المنزل، أنجب، ترقَّ، ادّخر، تقاعد، لا أحد يسلمك القائمة، لكنك تعرف متى تظن أنك تأخرت.
المشكلة أن هذا الجدول أهش مما يبدو؛ فالناس يتزوجون متأخرين أو لا يتزوجون البتة، ويغيرون مسارهم في الأربعينيات، ويعودون إلى الدراسة في الخمسين.
وتعدّ أبحاث تطور مراحل الحياة هذه التوقعات معايير اجتماعية لا قوانين بيولوجية، تعكس ما رأته ثقافة بعينها في عقد بعينه "توقيتًا مناسبًا".
لكن الثقل العاطفي للساعة لا يتحدّث بسرعة البيانات؛ فقد تعرف ذهنيًا أنه لا سن صحيح لامتلاك منزل أو الوصول إلى منصب رفيع، وتظل تشعر بالوخز حين يسبقك أحد من جيلك إلى ذلك. المعرفة والشعور يسيران بسرعتين مختلفتين.
أسباب الشعور بالفشل
جزء مما يُغذّي الشعور بالفشل رغم النجاح أن "الأدلة" تبدو في كل مكان؛ فالصديق الذي اشترى المنزل، والزميل الذي حصل على الترقية، والزوجان يحتفلان بعشرين عامًا، يسهل الاستنتاج بأن الجميع على المسار وأنت الاستثناء، لكن ما تراه مُنقَّح ومُختار.
أنت ترى المنزل لا الجدالات حول تحمّل تكلفته، وترى الترقية لا الوظيفة التي تبكي صاحبتها ليالي الأحد، وترى ذكرى الزواج لا السنتين اللتين كادا لا ينجوان منهما، فعقلك يقارن حياتك كاملة غير المُنقَّحة بأبرز ما يظهره الآخرون، وهذه المقارنة تميل ضدك دائمًا.
ويستشهد عالم النفس روميو فيتيلي بدراسة سيباستيان ديري وزملائه في جامعة كورنيل، التي تُظهر عبر دراسات متعددة أن الناس يعتقدون باطّراد أن الآخرين يحيون حياة اجتماعية أثرى من حياتهم حتى حين لا تدعم الأدلة ذلك؛ فهذا النمط يمتد إلى المسار المهني والعلاقات والمال وكل فئة يستخدمها المرء ليقرر إن كان يواكب الركب.
متى يكون الشعور بالتأخر مفيدًا لا مُضِرًا؟
ليس هذا دعوة لتجاهل الانزعاج، فهو في أحيان كثيرة معلومة مفيدة. إن كنت تريد الاستقرار المالي ولم تبدأ الادخار، فهذا التوتر يشير إلى فجوة فعلية بين ما تهتم به وما تفعله. وإن كنت تريد مسارًا مختلفًا وتتحاشى الخطوة الأولى، فللقلق رسالة تستحق الاستماع.
الإشكال ليس في امتلاك أهداف، بل في افتراض أن ثمة سنًا صحيحة للوصول إليها ثم معاملة تلك السن حكمًا على الحياة بأسرها.
ومن لم يشترِ منزلًا في السادسة والثلاثين لا يفشل، ومن غيّر مساره المهني في الثامنة والأربعين لا يبدأ من الصفر، ومن لا يزال يبحث عما يريده في الخامسة والخمسين ليس متأخرًا.
ويُلاحظ عالم النفس رايان وارنر في دراسته عن القيم وتوافق الأهداف مع الذات أن الناس الذين يسعون نحو أهداف تتوافق مع قيمهم يُفيدون بمستويات أعلى من الرضا والدافعية المستدامة، في حين يعانون الإرهاق الصامت حين يطاردون محطات لا تناسبهم حتى وإن نجحوا في بلوغها.
