المعرض الزراعي السعودي 2026.. تقنيات حديثة وفرص استثمارية لتعزيز الأمن الغذائي
تتجه أنظار قطاع الزراعة والصناعات الغذائية إلى الرياض، حيث تنطلق فعاليات المعرض الزراعي السعودي 2026 في نسخته الثالثة والأربعين، بمشاركة محلية ودولية واسعة.
تأتي هذه النسخة في وقت يتزايد فيه الاهتمام بتطوير الإنتاج الغذائي ورفع كفاءة استخدام الموارد، فيجد الحضور أمامه أحدث التقنيات والحلول الزراعية، وفرصًا جديدة للاستثمار والتعاون.
موعد وتفاصيل الحدث
تحتضن العاصمة السعودية فعاليات المعرض الزراعي السعودي خلال الفترة من 19 إلى 22 أكتوبر الجاري، في مركز الرياض الدولي للمؤتمرات والمعارض، برعاية وزارة البيئة والمياه والزراعة، وتنظيم شركة معارض الرياض المحدودة.
ويعكس حجم المشاركة الدولية اتساع الاهتمام بالمعرض، إذ يستقطب في نسخته الثالثة والأربعين أكثر من 438 عارضًا من 35 دولة، على مساحة عرض تتجاوز 26,470 مترًا مربعًا.
تكشف هذه الأرقام عن مساحة متنامية للتلاقي بين الأسواق والخبرات والتقنيات، في وقت تتزايد فيه أهمية تطوير الإنتاج الزراعي وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد الغذائي.
فيما تتجاوز أهمية المعرض عرض المعدات والتقنيات الحديثة، لتشمل ما تتيحه اللقاءات المباشرة بين الشركات والمستثمرين والخبراء وصنّاع القرار من فرص لبناء الشراكات واستكشاف مجالات التعاون.
من خلال تنوع الحلول المعروضة والخبرات المشاركة، يجد العاملون في القطاع فرصة للتعرف على أحدث الاتجاهات في الإنتاج وإدارة الموارد، ومقارنة التقنيات المتاحة باحتياجات السوق، إلى جانب بحث التحديات التشغيلية والاستثمارية التي تواجه الأنشطة الزراعية.
وبهذا، يشكل المعرض مساحة تتقاطع فيها المعرفة الفنية مع المصالح التجارية، وتُطرح خلالها أفكار وحلول يمكن أن تسهم في تطوير الأعمال الزراعية وتعزيز قدرتها على مواكبة متطلبات الأمن الغذائي.
الرياض تجمع قادة القطاع الزراعي في نسخة جديدة من المعرض السعودي
تأتي النسخة الجديدة من المعرض الزراعي السعودي في إطار توجه متزايد نحو تطوير منظومة الزراعة والغذاء، عبر تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والشركات الدولية.
يتوزع المعرض على عدة معارض متخصصة، يغطي كل منها حلقة من حلقات الصناعة: الدواجن والثروة الحيوانية، والمطاحن والأعلاف، والصحة الحيوانية، ثم الأغذية الزراعية وتصنيع الأغذية وتغليفها، وصولًا إلى الاستزراع المائي.
هذا الاتساع هو ما يمنح الحضور قيمة عملية، فالشركة العارضة تقف أمام مشترين ومستثمرين من مراحل مختلفة من السلسلة، فتتعرف عن قرب إلى ما يحتاج إليه السوق، وتعرض منتجاتها على من يملك قرار الشراء أو التمويل، وقد تتحول أحاديث اللقاء الأول إلى شراكات تُبنى لاحقًا.
أما المزارع والمتخصص الذي يزور المعرض بحثًا عن أفكار، فيجد أمامه حلولًا وتقنيات جديدة يستطيع أن يقارنها ويجرّبها، وقد ينعكس بعضها على جودة إنتاجه وكفاءة عمله اليومي.
وإلى جانب أرض المعرض، ينعقد المؤتمر السعودي الدولي لمستقبل الزراعة، ليأخذ الحدث من عرض المنتجات إلى مناقشة الأسئلة التي ستحدد شكل القطاع في السنوات المقبلة.
تُطرح في المؤتمر قضايا التقنيات الزراعية والأمن الغذائي، وإدارة المياه، والتكيف مع التغيرات المناخية، وهي ملفات تتقاطع فيما بينها، إذ لا تُحسم قضية الأمن الغذائي بمعزل عن شح المياه، ولا تُدار الموارد المائية دون حساب لتقلبات المناخ.
ومن هنا يمنح المؤتمر الحدث بُعدًا معرفيًا، ليفتح مساحة يتبادل فيها المختصون قراءتهم للتحديات القائمة، ويبحثون معًا عن حلول قابلة للتطبيق.
التقنيات الزراعية الحديثة ترسم ملامح مستقبل الإنتاج
لم يعد في حياتنا مجال بقي بمنأى عن التقنية، والزراعة، بوصفها أقدم مهنة عرفها الإنسان، تدخل هذا المسار بدافع الحاجة أكثر مما تدخله بدافع المواكبة، فالمطلوب اليوم غذاء أوفر يُنتج بمياه وطاقة أقل، وبهدر أضيق، وبقدرة أدق على متابعة المحاصيل وإدارة المزارع، ولهذا تحتل التقنية الحديثة موقعًا متقدمًا في كل نقاش جاد عن مستقبل القطاع.
وهذا ما يضعه المعرض والمؤتمر المصاحب له في صدارة برنامجهما، من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة والزراعة الدقيقة، إضافة إلى الزراعة داخل بيئات خاضعة للرقابة، كالبيوت المحمية وأنظمة الزراعة المائية والعمودية.
تظهر ملامح هذا التوجه في برنامج المؤتمر الدولي "مستقبل الزراعة"، الذي تتوزع جلساته بين تحديث الزراعة في البيئات الخاضعة للرقابة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة، وموضوعات ترتبط برؤية السعودية 2030 ومستقبل القطاع الزراعي والتقنية الحيوية الزراعية.
ولعل الزراعة الدقيقة أوضح مثال على انتقال هذه الأفكار من العناوين الكبيرة إلى العمل اليومي في المزرعة، إذ تعتمد على البيانات وأجهزة الاستشعار لرصد حالة التربة والمحاصيل، وتحدد على أساس ذلك كمية الماء والسماد التي يحتاج إليها النبات فعلًا.
وفي المسار نفسه تتولى الأنظمة المؤتمتة تنفيذ بعض العمليات الزراعية بكفاءة أعلى، بينما تمنح البيوت المحمية المزارع قدرة أكبر على ضبط الحرارة والرطوبة وبقية ظروف نمو النباتات.
كما تتسع قائمة الحلول لتشمل أنظمة الري الذكي، التي توزع المياه على المحاصيل بحسب حاجتها، وتقنيات الزراعة المائية، التي تستغني عن التربة التقليدية تبعًا لطبيعة النظام المستخدم.
ومن هنا تأتي قيمة المعرض لمن يعمل في القطاع، فهو يتيح له أن يرى التقنيات الحديثة عن قرب، ويتعرف إلى تطبيقاتها، ويقيّم ما يلائم احتياجاته منها.
ولكن رغم ذلك تظل النتيجة النهائية مرتبطة بما يحيط بالتقنية نفسها، لأن التحديث الزراعي الفعلي يحتاج إلى خبرة فنية تشغّلها، وإلى تخطيط اقتصادي يضمن عائدًا مستدامًا من الاستثمار.
الأمن الغذائي وكفاءة استخدام المياه في صدارة الأولويات
يمثل الأمن الغذائي أحد المحاور الرئيسة في تطوير القطاع الزراعي السعودي، في بلد يغلب على مناخه الجفاف وتقل فيه الموارد المائية المتجددة، لتحتل كفاءة الإنتاج وإدارة المياه وتقليل الفاقد من الغذاء مكانة محورية في أي استراتيجية تستهدف استدامة المنظومة الغذائية.
تجد هذه القضايا طريقها إلى المؤتمر المصاحب للمعرض، الذي يناقش تعزيز الأمن الغذائي في المملكة، وتحديث أساليب الزراعة، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تحسين الإنتاج، وتزداد أهميتها مع الحاجة إلى الموازنة بين دعم الإنتاج المحلي والمحافظة على الموارد الطبيعية.
ويمتد تطوير الأمن الغذائي إلى ما بعد زيادة كميات المحاصيل، ليشمل كفاءة الري، واختيار التقنيات الملائمة للبيئة المحلية، وتطوير أساليب التخزين والنقل والتصنيع، فالمحصول الوفير تتراجع فائدته الاقتصادية إذا تلف جزء منه في مراحل التداول والتخزين، أو ارتفعت تكاليف نقله ومعالجته.
هنا تتضح قيمة التكامل بين المزارع والمصانع وشركات الخدمات اللوجستية، إذ يتيح هذا التكامل الاستفادة من المنتجات الزراعية وتحويلها إلى سلع غذائية ذات قيمة مضافة، مع تقليل الفاقد والهدر.
في هذا السياق، أكد الدكتور عبدالله بن خليفة المبارك، مدير إدارة تقنيات الغذاء في المركز الوطني للتنمية الصناعية، أهمية تعزيز التكامل بين الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية، والتوسع في تقنيات الزراعة الدقيقة والري الذكي وحلول التصنيع المتقدمة، ما يسهم في الحد من الفقد والهدر ورفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.
ويبقى التوازن بين الإنتاج وكفاءة الموارد تحديًا أساسيًا، لأن جدوى إنتاج كل محصول تتفاوت بحسب احتياجاته المائية وتكلفته والظروف الملائمة لنموه، هذا التفاوت يجعل الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع السلع نتيجة غير مضمونة لزيادة الإنتاج المحلي.
ومن ثم يقوم تعزيز الأمن الغذائي على تطوير الإنتاج في المواضع التي يكون مجديًا فيها، وتحسين سلاسل الإمداد، وتنويع مصادر الحصول على الغذاء.
شراكات تفتح آفاقًا جديدة للقطاع الزراعي
في وقت يحتاج فيه إنتاج الغذاء إلى ربط أوثق بالصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية، تتحول فرص الاستثمار والتعاون بين الشركات المحلية والدولية إلى أحد أهم ما يقدمه المعرض الزراعي السعودي.
وهي فرص تتسع لما هو أبعد من إنشاء المزارع وتوسيع الإنتاج، فتشمل تقنيات الري ومعدات الزراعة، والأعلاف والخدمات البيطرية، ومنشآت التخزين والتبريد، وصولًا إلى تصنيع الأغذية وتغليفها.
من بين هذه المسارات يبرز التكامل بين الزراعة والصناعة بوصفه أحد المسارات القادرة على رفع القيمة الاقتصادية للمنتج المحلي، إذ إن المحصول الذي يُعالج ويتحول إلى منتج غذائي مصنّع قد يجد أمامه أسواقًا جديدة، ويطول عمره التخزيني في بعض الحالات، ويقل الفاقد منه، وفي الوقت نفسه يصبح مدخلًا تحتاج إليه المصانع المحلية.
وقد أشار الدكتور عبدالله المبارك عن أهمية بناء شراكات تجمع المزارعين والمصنعين والمستثمرين ومزودي الحلول اللوجستية، بحيث يتجه الإنتاج الزراعي إلى تلبية ما تحتاج إليه الصناعات الغذائية.
وعلى أرض المعرض، تتاح للشركات والمستثمرين فرصة الاطلاع على التقنيات والمنتجات المتوفرة، وبحث أوجه التعاون وتبادل الخبرات.
أما الانتقال من هذه اللقاءات إلى مشروعات قائمة فيمر بخطوات لا غنى عنها، تبدأ بدراسات جدوى دقيقة وتقييم للتكاليف والمخاطر، وتمتد إلى فهم احتياجات السوق والمتطلبات التنظيمية، وتنتهي بالتأكد من أن المشروع قادر على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
وبهذا يتجاوز المعرض الزراعي السعودي 2026 دور المنصة التي تعرض المنتجات والمعدات، إذ يفتح نقاشًا حول مستقبل الإنتاج الزراعي وكفاءة استخدام المياه والأمن الغذائي والتكامل بين الزراعة والصناعة.
بينما تتحدد قيمته الحقيقية بمدى ما يخرج منه من أفكار وخبرات وعلاقات تجارية تتحول إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، ترفع كفاءة القطاع الزراعي والغذائي وتعزز استدامته.
