«أنا بخير».. لماذا نخفي مشاعرنا الحقيقية ونتظاهر بأن كل شيء على ما يرام؟
كلّنا نعلم أنّ وراء إجابة «أنا بخير» كثيرًا من المشاعر الدفينة، والآلام التي لا يريد المرء البوح بها، والمشكلات العالقة التي لا يلوح لها حلّ في الأفق. ومع ذلك، تخرج الإجابة تلقائيًا، وكأننا مجبرون على قولها.
لكن لماذا تقول أنّك بخير وأنت لست كذلك؟ بالتأكيد ليس لديك شيء تخشى إظهاره للآخرين، ولكن ربّما تعلّمت منذ الصغر ألّا تُظهِر مشاعرك، أو قد تخاف من إثقال الآخرين بما لديك.
لكن هل هذه هي الأسباب وحدها أم أنّ هناك أسبابًا أخرى أعمق؟ وكيف تكون بخيرٍ قولًا وحالاً؟
لماذا نخاف من اطلاع الآخرين على مشاعرنا؟
أحيانًا لا يرغب الناس في أن يطّلع الآخرون على مشاعرهم، أو بالأحرى نقاط ضعفهم النفسيّة، وترى عالمة النفس "برينيه براون" -التي أمضت عقودًا في البحث بشأن الخوف من إظهار المشاعر، والإحساس بالعار، والشجاعة- أنّ الخوف من إظهار المشاعر للآخرين قد يبدو كأنّه إظهار للحقيقة وشجاعة أيضًا. والحقيقة والشجاعة ليستا مريحتين دائمًا، ومع ذلك فهما ليسا دليلًا على الضعف أيضًا.
وحسب "براون"، فإنّ الخوف من إظهار المشاعر الحقيقية لا يعني الهشاشة النفسية، بل هو خوف من إظهار الذات الحقيقية، لأنّ النتائج غير متوقّعة، والمرء لا يدري ما إذا كان سيُقبَل أو يُرفَض، أو ما سيُقال عنه، والعقل يُفسِّر حالة المكاشفة تلك على أنّها فقدان للسيطرة.
كيف يمنع الدماغ إظهار المشاعر الحقيقية؟
تُظهِر الأبحاث أنّ الناس مستعدون بيولوجيًا لتوقّع التهديد والسعي لتقليل حالة عدم اليقين لديهم، فقد فحصت ورقة بحثية منشورة عام 2022 في مجلة العلاج السلوكي والطب النفسي التجريبي، كيف يمكن للمخاوف من فقدان السيطرة على الأفكار أو المشاعر أو السلوك، أن تؤدي إلى تعزيز القلق، وتشكيل طريقة الناس للاستجابة للتحديات.
فعندما يعتقد الشخص أنّ إظهار ما لديه قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على كيفية إدراك الآخرين له، أو كيفية تطوّر الموقف، يتفاعل الجهاز العصبي كما لو كان هناك تهديد.
وحتى لو كان الخطر اجتماعيًا وليس جسديًا، فإنّ أجهزة رصد التهديدات في الدماغ، مثل اللوزة الدماغية، تتفاعل بطريقةٍ مماثلة.
وقد تتشكّل هذه الديناميكية في وقت مبكر، إذا نشأ شخص ما في بيئة، يؤدِّي التعبير عن المشاعر فيها إلى النقد أو الرفض أو عدم القدرة على التنبؤ بما هو آتٍ، ومِنْ ثمّ فقد يربط الجهاز العصبي بين إظهار المشاعر، والتهديد حتى بعد البلوغ.
لماذا قد تتظاهر بأنّك بخير رغم أنّك لست كذلك؟
إذًا هل هذا فقط ما يجعلك تقول "أنا بخير" رغم أنّك لست كذلك؟ الواقع أنّ هناك أسبابًا مختلفة لرد الفعل هذا غير الديناميكية المذكورة، والتي منها، حسب منصّة "Psychology today":
1. تجنّب الصراعات
قد يؤدي إظهار المشاعر الحقيقية إلى إغضاب الآخرين، وهذا أمر مخيف أو غير مريح على الأقل للمرء، وقد يرتبط هذا بالرغبة الذاتية في أن يكون المرء سهلًا مع الآخرين.
فأنت لا تريد أن تخلق صراعًا من لا شيء، ولا تريد أن تكون عبئًا لأنّ ذلك قد يدفع الناس بعيدًا عنك.
كما قد يكون للعلاقات غير الصحية دور في تشكيل هذا التصوّر بأنّ الناس لن يحبوك (وربّما سيتخلون عنك أو يرفضونك) إذا طلبت منهم الكثير، أو كانت لديك مشاعر تودّ إطلاعهم عليها. والخيار المنطقي حينها أن تتظاهر أنّك بخير، وأنّ كل شيء على ما يُرام.
2. الهروب من مشكلاتك
أحيانًا يكون التظاهر بأنّ كل شيء على ما يُرام شكل من أشكال الإنكار، فقد تريد أن يعتقد الآخرون أن كل شيء طيّب لديك؛ خوفًا من الإحراج والأحكام التي سيُطلِقها الآخرون عنك إذا عرفوا الحقيقة (أنّك تكافح، وأنّ حياتك لا تسير كما تريد، وأنّ أحباءك في مأزق، وأنّك لست مثاليًا كما يبدو، وما إلى ذلك).
فإذا اعترفت بمشكلاتك للآخرين، فعليك أن تواجه نفسك وتعترف بأنّك لست سعيدًا، أو أنّ حياتك ليست مثالية، أو أنّك بحاجةٍ إلى المساعدة.
ولو لم تكُن هناك قدرة على حلّ تلك المشكلات، لكان من الأسهل إنكارها بدلًا من مواجهتها وجهًا لوجه، ومع ذلك فإنّنا جميعًا نعلم أنّ تجنّب المشكلات ليس ناجحًا على المدى الطويل، وأنّ حلّها يبدأ بالاعتراف بوجودها أولًا، سواء كُنت ترى أنّك بخير أو لا.
3. التربية والقمع الذاتي لمشاعرك
كثيرًا ما ينشأ المرء في عائلات لا يُسمَح له فيها بالغضب أو الحُزن، أو قد يُؤمَر بالتوقف عن البكاء، أو ربّما يتعرّض لعقابٍ إنْ عبَّر عن مشاعره، ومِن ثمّ قد يكون تعلّم قمع مشاعره تلقائيًا.
كذلك ينشأ كثير من الناس أيضًا مع آباء لم يتمكّنوا من تنظيم عواطفهم، فمثلًا إذا كان أحد الوالدين غاضبًا، فقد تخاف من إثارة غضبه، حتى في العلاقات، وتحاول أن تتجنّب إغضاب الآخرين أيضًا (فتدَّعي أنّك بخير، ولا تتكلّم عن المشكلة الحقيقية).
ولكن بعد سنوات من قمع المشاعر، قد لا تكون حتى على علم بها، وربّما تقول أنّك بخير لأنّك لا تعرف أصلًا ما تشعر به.
وهذا على نقيض النضج العاطفي الذي يعني القدرة على تجربة المشاعر وفهمها، والتعبير عنها بطريقة صحية ومناسبة.
هل تفرض بعض القيود الاجتماعية التظاهر بأنّك على ما يُرام؟
أحيانًا نقول إنّنا بخير دون تفكيرٍ كثير، لأنّها أصبحت قاعدة اجتماعية ضمنية، تُجبرِنا على إظهار موقف إيجابي، فهي قاعدة تعلّمناها منذ الطفولة، لأنّنا نفترض أنّه عندما يسألنا الآخر كيف نحن في الواقع، فهذه سؤال على سبيل المجاملة، فيكون الرد التلقائي "أنا بخير"، هو ما يحكم العلاقات الاجتماعية.
ما العلامات التي تدلّ على أنّك لست بخير رغم ادّعائك العكس؟
ربّما اعتدت قول "أنا بخير" حتى توقّفت عن التحقّق مما تشعر به حقًا، وفيما يأتي بعض العلامات التي تدلّ على أنّ صحتك النفسية بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الرعاية:
- الشعور بإرهاق عاطفي حتى بعد أخذ راحة.
- تجنّب المواقف الاجتماعية أو الرغبة في عزل نفسك عن الآخرين.
- تبكي وحدك لكنّك تبتسم في الأماكن العامة.
- تشعر بالانزعاج أو الإرهاق بسبب أمورٍ صغيرة.
- تشعر بالفراغ أو بصعوبة الإحساس بالمشاعر.
- تتظاهر بالبهجة بينما يُخيِّم الحُزن في داخلك.
- تقول لنفسك إنّ "الآخرين وضعهم أسوأ"، لتتجاهل ألمك.
كيف تكون صادقًا مع نفسك لتكون بخير حقًا؟
ليس الحلّ في أن تصارح الناس بمشكلاتك بالطبع، ولا بأن تظلّ خائفًا من ردود أفعال الآخرين. نعم تستطيع أن تقول "أنّك بخير"، لكن ينبغي السعي لحلّ أي مشكلة لديك، وهذا يبدأ بالصدق مع النفس والتعامل مع الحقائق كما هي، كما يتضح فيما يأتي:
1. تحقّق من مشاعرك يوميًا
اسأل نفسك بما تشعر الآن؟ وقيّم حالتك العاطفية من 1 إلى 10، أو اكتب يوميات حول ما يحدث في داخلك، وكُن فضوليًا بشأن ذلك، ولا تحكم على نفسك أو تصف نفسك بشيءٍ ما، بل استمرّ على ذلك، لتتعلّم عن مشاعرك.
2. تدرّب على تسمية مشاعرك
حاول أن تكون أكثر ضبطًا في تسمية ما تشعر به. هل أنت مُتعَب أم قلق أم مُحبط أم وحيد أم مجروح؟ فتسمية ما تشعر به يساعد على فهمه، ويمنحك مزيدًا من التحكّم في استجابتك.
3. تقبّل الانزعاج النفسي
قد لا تشعر بالراحة بالطبع وأنت تفتِّش عن مشاعرك، وليس من الضروري إصلاح كل شيء على الفور، بل قد يكفي الشعور بما تشعر به حقًا والاعتراف به.
4. تحدِّي المعتقدات الداخلية
الآن اسأل نفسك: أين تعلمت أنّه لا يُسمَح لك بهذا الشعور؟ فتِّش عن المعتقدات التي علّمتك إخفاء مشاعرك، سواء العائلة، أو التربية، أو التجارب الماضية، وستجِد الجواب حتمًا، وستُدرِك ما إذا كان ذلك صوابًا أم خطأً.
وفي الختام، يسعك بالطبع أن تقول أنّك بخير، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك لخوفك من إظهار مشاعرك أو هربًا من المشكلات العالقة في حياتك، أو بسبب نمط تربية جعلك تقمع مشاعرك بيديك، والحلّ يبدأ بالصِدق مع النفس، وفهم ما تشعر به، لتكون بخيرٍ حقًا.
