لا يمكنك حب الآخرين قبل حب نفسك.. اكتشف خطورة هذه النصيحة الشائعة
تنتشر على الإنترنت نصيحة يتداولها كثيرون بوصفها حكمةً مؤكدة: لا تستطيع أن تحب الآخرين حقًا ما لم تتعلم أولاً حب نفسك؛ وبينما تبدو هذه الفكرة جذابة ظاهريًا، يرى باحثون في علم النفس أن تطبيقها قد يكون أشد ضررًا من نفعه، وأن ثمة تصورًا أعمق وأكثر دقة لطبيعة الحب.
أهمية حب الذات
تشير دراسات عدة إلى أن تقدير الذات الصحي قد يُفضي إلى علاقات أفضل؛ إذ رصدت دراسة طولية منشورة في المجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي جمعت نتائج 48 عينةً أن تقدير الذات يُنبئ بعلاقات أكثر صحة.
ومن هذا المنطلق، قد يُسهم تدني تقدير الذات في الوقوع بفخ طلب الطمأنينة المفرط، والخوف من الرفض، والغيرة، والتبعية غير الصحية.
بيد أن جوليا وجون غوتمان، وهما من أبرز خبراء العلاقات في العالم، يصفان في كتابهما Fight Right فكرةَ ضرورة حب الذات قبل حب الآخرين بأنها "أسطورة" صريحة.
ويُشيران إلى أن أحدًا لا يستطيع حب نفسه على نحو كامل، وأن معظم الناس سيظلون يعانون قدرًا من الشك الذاتي طوال حياتهم، ما يعكس صعوبة وضع معيار محدد لبلوغ حد كافٍ من حب الذات.
يُنبّه الغوتمان كذلك إلى تداعيات هذا التصور الثنائي؛ فحين تعثّر الشخص في علاقة، قد يُحمّل نفسه المسؤولية الكاملة ظنًا منه أنه لم يُتقن بعد حب نفسه.
والعكس وارد أيضًا، إذ قد يُبالغ في إدانة الطرف الآخر وينسب الفشل كله إلى افتقاره لحب نفسه، متجاهلاً تعقيدات الديناميات العلائقية الأخرى.
ما الثمن الحقيقي لتأجيل العلاقات؟
تتجلى إحدى أخطر نتائج مبدأ "الخطوتين" في دفع الناس نحو تأجيل الحميمية بحجة إتمام العمل الداخلي أولاً، وهذا التأجيل قد يتحول إلى مطهر من التطوير الذاتي المتواصل: مزيد من التحليل، ومزيد من الشفاء، لكن أقل من الحب الفعلي.
ثمة خطأ مقابل يقع فيه بعضهم وهو اعتقاد أن "تقدير النفس لا يتشكّل إلا حين يُحبنا الآخرون"، وهذا تصور ثنائي معكوس لا يختلف في إشكاليته عن الأصل.
ويجعل كلا الطرحين شكلاً من أشكال الحب مشروطًا بشكل آخر، في حين أن تقدير الذات الحقيقي لا ينبغي أن يكون رهينًا كليًا بمقدار الحب الذي يتلقاه المرء.
لا حرج في التوقف للتعافي عقب علاقة مؤلمة، كما أن للعلاج النفسي قيمة حقيقية في تعلم قبول الذات؛ غير أن تأجيل الحميمية إلى أجل غير مسمى يحرم الشخص من تجارب إنسانية جوهرية.
علاقة حب الذات بالرضا عن العلاقة
كشفت دراسة أُجريت على 14,741 فردًا في هولندا أن تقدير الذات يُنبئ بالرضا عن العلاقة اللاحق، لكن العكس صحيح أيضًا؛ فالرضا عن العلاقات يرفع تقدير الذات؛ بل وجدت الدراسة أن التذبذب في الرضا عن العلاقة كان أقوى أثرًا في تقدير النفس من العكس، ما يُثبت أن العلاقة بينهما ثنائية الاتجاه.
من هنا يبرز تصور أجدى: الحب رقصة ثلاثية أطرافها حب النفس، وحب الآخرين، واستقبال حبهم، والمقاربة السليمة أن تُمارَس هذه الأطراف معًا لا على التوالي، إذ تتعزز كل منها بالأخريين في حلقة تغذية راجعة إيجابية مستمرة.
ويستلزم تحقيق هذه الرقصة تبني قبول الذات بما فيها من نقائص، والانخراط في علاقات حقيقية دون انتظار الكمال الداخلي.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات لا تشمل الرومانسية وحدها، فالصداقات وروابط الأسرة مسارات بالغة الأهمية لممارسة هذه الرقصة بأبعادها الثلاثة.
حب الذات ليس علاجًا شاملاً لمشكلات العلاقات
يبقى حب الذات عاملاً مهمًا، لكنه عامل واحد ضمن منظومة أشمل؛ فحين تعثّرت علاقة ما، تُشير الأبحاث إلى أن ضعف تقدير الذات ليس إلا أحد عوامل عديدة، من بينها أنماط التواصل، وتباين التوقعات، والتحولات الحياتية الكبرى، وتفاوت الجهد المبذول، وشح الوقت النوعي المشترك.
ويفتح الاعتراف بهذا التعدد الباب أمام معالجة أعمق وأكثر شمولية، بدلاً من اختزال كل إشكالية في قصور حب الذات؛ فالشخص قادر على أن يحب بينما لا يزال يصارع الشعور بالخزي، وقادر على أن يُحَب قبل أن يشعر باستحقاق ذلك الحب.
