صُنّاع المحتوى العلمي.. كيف يحوّلون العلوم المعقّدة إلى محتوى جذاب؟
غالبًا ما يصعب استيعاب العلوم، وفهم النظريات المُعقّدة، واختصار المعلومات الكثيرة في جمل بسيطة، ولكن يتصدّى صُنّاع المحتوى العلمي اليوم لهذه المهام تحديدًا.
فهم لا يبتكرون نظريات علمية حديثة، ولا يخترعون تكنولوجيا متطوّرة مثلًا، وإنّما هم الجسر الحقيقي لنقل ما يدور بين الباحثين، وما توصّلوا إليه، إلى الجمهور بلغة يفهمها، وبمقاطع فيديو -قد تتسم بحسّ دعابة- لضمان إيصال المعلومة إليهم.
فكيف أصبح صُنّاع المحتوى العلمي نجومًا رغم صعوبة المحتوى الذي يقدّمونه نظريًا؟ وما مستقبل صناعة هذا المحتوى وسط سيل المعلومات الهائل الذي لا يتوقف لحظة؟
لماذا ينجح صُنّاع المحتوى العلمي في جذب الجمهور؟
الأمر ليس مصادفة؛ فربّما يعود نجاح صُنّاع المحتوى العلمي فيما يفعلونه إلى الأمور الآتية:
1. مقاطع الفيديو العلمية تثير الفضول
قد تنغمس في وسائل التواصل الاجتماعي لساعات متواصلة، وربّما تكون مقاطع الفيديو العلمية الكرتونية التي تتمتّع بحسّ دعابة أكثر جذبًا لك، ولكن ليس للجميع، حسب دراسة عام 2026 أجرتها جامعة جورجيا، ونُشرت في مجلة "Science Communications".
فهدف عديد من صُنّاع المحتوى المُبدعين ليس فقط جعلك تضحك بينما تستقبل الحقائق العلمية، بل أحيانًا يكون الهدف أن تصبح شغوفًا بالعِلم.
وقد عرض الباحثون على أكثر من 1,000 شخص مقاطع فيديو علمية مُستوحاة من تيك توك وإنستجرام بشأن قناديل البحر. وتبيّن أنّه كُلّما استمتع المشاركون بالفيديو، زاد فضولهم تجاهه، وإن تباينت ردود الفعل بدرجة كبيرة بين المشاركين.
2. النبرة غير الرسمية
كذلك من الأمور التي تجعل صُنّاع المحتوى العلمي أكثر جذبًا لجمهورهم النبرة غير الرسمية للمحتوى العلمي.
وقد عمل الباحثون مع استوديوهات PBS الرقمية لإنشاء مقاطع فيديو متنوعة للدراسة، اتسم كل منها بنبرة رسمية أو أجواء غير رسمية، مع الإشارة إلى «سبونج بوب» أو عدم الإشارة إليه، وظهر فيها متحدث أبيض أو أسود أو لاتيني.
وفي المتوسّط، أفاد المشاركون أنّ مقاطع الفيديو ذات النبرة غير الرسمية والإشارات إلى "سبونج بوب"، كانت أمتع وأثارت فضولهم أكثر بشأن قناديل البحر.
كما كان الأشخاص الذين استمتعوا بالمحتوى أكثر استعدادًا للتعرّف على العلوم، حسب ما ذكره أحد الباحثين.
3. تحقيق التوازن بين الأسئلة المثيرة وإعطاء الأجوبة
لكن ليست الفكاهة وحدها ما تجعل المحتوى العلمي جذابًا، بل ينبغي أن تُوقِد الذهن أيضًا.
يرى الباحثون أنّه بالنسبة للمبتدئين، يجب أن تتمتّع مقاطع الفيديو بجاذبية قويّة حتى تتمكّن من جذب انتباه المشاهد في أثناء التمرير.
كما ينبغي للمبدعين تصميم رسائلهم لتناسب جمهورهم وإبقاء مقاطع الفيديو قصيرة ومشوقة، بالإضافة إلى إثارة قليل من الفضول دون غموض زائد عن الحد، وكذلك دون تقديم إجابات أكثر من اللازم، كي لا يُقتَل الفضول مبكرًا.
كما أشار الباحثون أيضًا إلى أنّه في بعض الأحيان قد يحتاج صانع المحتوى إلى إعطاء الأشخاص ما يكفي فقط حتى يرغبوا في البحث عن المعلومات بأنفسهم.
لماذا نحتاج إلى مزيدٍ من صُنّاع المحتوى العلمي؟
قد نكون اليوم في أمسّ الحاجة إلى صُنّاع المحتوى العلمي أكثر من أي وقت مضى؛ إذ لا تزال هناك فجوة بين الأبحاث الفعلية المُجراة في المختبرات، وفهم الناس للنتائج والظواهر والتقنيات العلمية المُعقّدة، ما يتطلّب تطوير استراتيجيات مبتكرة لتثقيف عامة الناس.
فـ"لا شيء في العلم له أي قيمة للمجتمع إذا لم يتم إيصاله إليه"، حسب ما قالته "آن رو"، الباحثة السريرية وعالِمة النفس بشأن أهمية التواصل العلمي.
وبالمثال يتضح البيان، فلو طوّر مجموعة من العلماء نوع أرز مُقاوِم للجفاف عبر تحرير جين رئيس، ونشروا ذلك في مجلة مرموقة. وبينما يحتفلون بإنجازهم، يظلّ المزارع الذي يفقد المحاصيل بسبب ندرة المياه غير مُدرِك لصنف الأرز الجديد هذا.
لذا فالحاجة متزايدة دائمًا ليس للعلماء فحسب، بل أيضًا لمن ينقلون ما توصّل إليه العلماء إلى عموم الناس بطريقة قريبة إلى أذهانهم.
مستقبل صناعة المحتوى العلمي.. بين التحديات والتطور المأمول
بعد أن أتاحت منصات التواصل الاجتماعي القدرة على إنشاء محتوى إخباري لأي شخص وبأي تكلفة، أصبح تبادُل المعلومات أسرع وأكثر بصرية وتخصيصًا للمُتلقِّي.
ويتنافس المحتوى باختلاف أنواعه وأشكاله على جذب انتباه الأشخاص، وأصبحت الحدود بين الأخبار والرأي والمحتوى الترفيهي غير واضحة، وكذلك الخط الفاصل بين الحقيقي والزائف.
المعلومات المضللة والافتقار إلى الدقّة
وفي العام الماضي، أبلغت الباحثة في مجال الصحة العامة "بروك نيل" وزملاؤها عن كمية هائلة من المعلومات المضللة بشأن اختبارات الفحص الطبي من خلال تحليل نحو 1,000 منشور على إنستجرام وتيك توك. كما وجدوا أيضًا أنّ الأشخاص الذين أنتجوا هذه المنشورات غالبًا ما كانت لديهم مصالح مالية في الاختبارات.
وفي فبراير العام الحالي، وجد باحثا العلوم الإنسانية "ريكاردو مورايس" و"كلارا فرنانديز" أنّ مقاطع الفيديو التي يُنتِجها المؤثِّرون العلميون على تيك توك، تميل إلى عدم ذكر المصادر -بما في ذلك الصور- ما يجعل من الصعب تقييم دقّة منشوراتهم.
النافذة الزمنية المحدودة لعرض المحتوى
فمقاطع الفيديو القصيرة لها نقاط قوّتها وكذلك حدود لا تتجاوزها، بمعنى أنّ مقطع فيديو متوسّط مدته ثلاث دقائق، قد يحتوي على ما يصل إلى 650 كلمة من النصوص والتعليقات التوضيحية.
وهذا ليس وقتًا كافيًا لنقل محتوى اكتشاف علمي جديد أو حدث إخباري، بما في ذلك المصادر والأهمية والسياق والتحذيرات والقيود.
ولكن إذا نُفِّذت جيدًا، فإنّ القصص السردية والرسوم البيانية والرسوم المتحركة والفيديو، كلّها طرق مقنعة وشائعة لجذب تفاعل الناس إلى المحتوى العلمي.
أشكال المحتوى المتوقع صعودها مستقبلًا
كلّ هذه التحديات ينبغي الإلمام بها بالنسبة لصُنّاع المحتوى العلمي، وأن يعرفوا كيفية التعامل مع تضارب المصالح المحتمل، والإبلاغ عن الادعاءات التي لم يُتحقَّق منها للمستخدمين.
وباستثناء التطورات غير المتوقعة، فمن المرجّح أن يصبح المحتوى الاجتماعي والمرئي هو الشكل السائد للأخبار، حسب تقرير منشور عام 2026 في مجلة "Nature".
وهي أشكال المحتوى التي قد يحتاج صُنّاع المحتوى إلى التركيز عليها في المستقبل القريب، مع الحفاظ على جاذبية المحتوى وسهولة عرض المعلومات، والأهمّ التحقّق من مصداقيتها قبل تقديمها للجمهور.
