ألكسندر فلمنج واكتشاف البنسلين.. كيف أدت مصادفة إلى إنقاذ الملايين؟
"عندما استيقظتُ بعد فجر يوم 28 سبتمبر 1928 مباشرةً، لم أكُن أخطّط بالتأكيد لإحداث ثورة في كل الطب من خلال اكتشاف أول مضاد حيوي في العالم. لكن أعتقد أنّ هذا هو بالضبط ما فعلته".
ربّما لم نكُن لنعرف شيئًا عن المضادات الحيوية التي أنقذت حياة الملايين، لولا "ألكسندر فلمنج" المتحدث بتلك الكلمات، ومُكتشِف البنسلين: أوّل مضاد حيوي عرفته البشرية، بعد أن تسلّل فطر البنسليوم إلى عيّنة من البكتيريا في مختبره.
ولكن إلى أي مدى أنقذ هذا الاكتشاف أرواح البشر من أن تحصدها البكتيريا القاتلة؟ ومن هو ألكسندر فلمنج قبل اكتشاف البنسلين؟ ومن حمل الراية بعده حتى استُخدِم البنسلين دواءً رغم تجاهل ما اكتشفه فلمنج في بداية الأمر؟
قبل البنسلين.. كيف كان العلاج؟
كانت العلاجات غير فعالة ومعقّدة للغاية قبل اكتشاف البنسلين، ولم يمتلك الأطباء وسائل حديثة كما هو متاح اليوم لمعرفة سبب الأمراض.
وفي مقالته المُعنونة بـ"تاريخ البنسلين: معجزة الطب"، يقدّم "جون بول روجرز" عددًا هائلًا من العلاجات التي دُعِي إليها في الولايات المتحدة قبل اكتشاف البنسلين، والتي من بينها:
أخذ دم الخيول لعلاج الإنسان
حاول "أوريغون"، وهو طبيب من مدينة يوجين، في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر علاج الدفتيريا، وذلك بأخذ دم من الخيول التي تعرّضت للدفتيريا ونجت من العدوى، ثُمّ حقن هذا الدم في المرضى.
واعتقد الطبيب أنّ استخدام هذا الدم سيعمل بطريقة اللقاح نفسها، ولكن يخبِرنا "روجرز" أنّه لا يوجَد سجل لمعدّل نجاح هذا العلاج، وإن كانت قد شُفيت فتاة صغيرة بهذه الطريقة.
إراقة الدماء لعلاج السيلان
مثال آخر يمكن التقاطه في عام 1833، وهو تاريخ نشر "دليل علاجات الأمراض المختلفة"، الذي كتبه "دانييل ويتني".
فقد دعا "ويتني" في هذا الكتاب إلى علاج حالات مثل السيلان، وقد تم هذا العلاج على عدّة مراحل، وكانت الخطوة الأولى هي إراقة الدماء!
فمنذ أقل من مائتي عام، كان لا يزال يُعتقد أنّ إراقة الدماء تسمح للمرض بمغادرة الجسم، ومن ثمّ استعادة التوازن المثالي بين الأخلاط.
وكانت الخطوة الثانية هي نقع المنطقة المصابة في خليط من الحليب الدافئ والماء، يليه حقن خليط من الماء وأسيتات الرصاص والصمغ العربي في مجرى البول عدّة مرات يوميًا.
أمّا الخطوة الأخيرة، فهي نقع الأعضاء التناسلية للمريض في ماء الرصاص. وإذا لم يتم التغلب على المرض، أوصى "ويتني" بوضع مرهم الزئبق على الأعضاء التناسلية.
واعتقد عديد من الأطباء أنّ هذه المواد الكيميائية العدوانية لديها القدرة على القضاء على الأعراض المرئية للعدوى، ما يعني بالنسبة لهم هزيمة المرض.
فإذا نظرنا إلى الوراء قبل البنسلين، سنجد أنّ معظم العلاجات المستخدمة في ذلك الوقت تبدو خطيرة ويصعب الاعتماد عليها، ولكن أيضًا لم يكُن هناك فهم شامل للأمراض في ذلك الحين.
ثورة علاجية بدأت من عينة ملوثة
لو ظلّ الأمر يسير على هذا المنوال، لمات كثير من المرضى بسبب العلاجات المستخدَمة قبل الأمراض نفسها، ولكن ما حدث في سبتمبر عام 1928 غيّر تاريخ العلاج.
كان يوم 3 سبتمبر 1928 هو يوم العودة إلى الوطن بالنسبة لألكسندر فلمنج، وكان قد ذهب في إجازة خلال فصل الصيف، وغادر مختبره الموجود في مستشفى سانت ماري في لندن، في حالة من الفوضى كما كان يفعل من قبل.
وربّما كان في عجلة من أمره للذهاب في إجازة، حتى أنّه نسي إغلاق النافذة عندما غادر.
ولكن قبل أشهر قليلة من ذلك الصباح الشهير في الثالث من سبتمبر عام 1928، أخذ فيلمنج بكتيريا المكورات العنقودية من جرح أحد المرضى، وتم ترسيب هذه البكتيريا ذات اللون الأصفر بعناية في أطباق بتري، وقد نسي فلمنج إغلاقها قبل مغادرته.
ولكن عند عودته، لاحظ أنّ أطباق بتري كانت مليئة بالعفن الأخضر، ولم يكُن يعلم بعد أن هذا العفن سينقذ ملايين الأشخاص.
ثُمّ بدأ ألكسندر في ترتيب الغرفة وكان على وشك التخلّص من عيناته الملوّثة بالعفن، ولكنه لاحظ شيئًا غريبًا؛ إذ أصبحت البكتيريا حول العفن شفافة، ما يدلّ على مقتلها.
فطر البنسليوم يتسلّل في غياب فلمنج
وقد فهم أنّه خلال إجازته، قد تكونت جراثيم فطر البنسليوم التي تسلّلت إلى مختبره، ربّما من خلال النافذة التي تُركت مفتوحة. وتبيّن له أنّ سبب قتل المكورات العنقودية كان سم الفطر الذي عطّل جدار الخلية البكتيرية.
وهذا الجدار بالتحديد هو الذي يسمح للبكتيريا بالتكاثر والانقسام، ومِنْ ثمّ إصابة الجسم بالعدوى.
كما أشار فلمنج أيضًا إلى أنّ صيف عام 1928 كان باردًا بشكل خاص، وراوحت درجات الحرارة في إنجلترا بين 16 إلى 20 درجة مئوية، ما سمح له باستنتاج أنّ البيئة كانت مواتية أيضًا لنموّ الفطريات.
عزل الفطر واكتشاف "البنسلين"
بعد ذلك، عزل فلمنج العفن وحده كجزء من البنسليوم، وأطلق على السُمّ المُصنّع اسم "البنسلين"، وخلص إلى أنّ له تأثيرًا مضادًا للبكتيريا على المكورات العنقودية وغيرها من البكتيريا إيجابية الجرام.
ونشر فلمنج النتائج التي توصّل إليها في المجلة البريطانية لعلم الأمراض التجريبي في يونيو 1929، مع إشارة عابرة فقط إلى الفوائد العلاجية المحتملة للبنسلين.
ولكن البعض انتقد فلمنج بسبب أسلوبه المبني على المصادفة، وعلى مدى الأشهر القليلة التالية، حاول فلمنج تنقية مركب البنسلين غير المستقر للغاية، لكن هذه العملية كانت تفوق مهاراته.
وأدَّى هذا الإخفاق إلى نسيان عمل فلمنج لعِدّة سنوات، حتى عام 1938.
قصّة تفوّق أكاديمي وعسكري قبل اكتشاف البنسلين
لكن من هو ألكسندر فلمنج؟ ماذا كُنّا سنعرف عنه لو لم يكتشف البنسلين؟
وُلِد فلمنج في اسكتلندا عام 1881، وكان صبيًا صغيرًا ذكيًا، ما فتح له الأبواب للذهاب والدراسة في لندن، وقد درس في المعهد الملكي للفنون التطبيقية عندما كان مراهقًا، ثُمّ التحق بكلية الطب في سانت ماري بناءً على نصيحة أحد إخوته في عام 1901.
وبعد سبع سنوات، فاز بالميدالية الذهبية من جامعة لندن لحصوله على المركز الأول على دفعته.
الحرب العالمية الأولى.. الشرارة التي أضاءت طريق فلمنج
وبينما اندلعت الحرب العالمية الأولى في عام 1914، انضم فلمنج إلى الجيش البريطاني، وكان شديد التأثّر بمحنة الجنود الجرحى، الذين غالبًا ما يستسلمون للعدوى المرتبطة بالقتال.
وهناك، أدان إساءة استخدام المُطهّرات من قبل العاملين في المجال الطبي على الجنود الجرحي، واستخدامها بشكلٍ شامل وبكميات كبيرة جدًا، فقد أدّى هذا الاستخدام الخاطئ إلى مقتل عدد كبير من الجنود.
وخلال الحرب، حصل فلمنج على رتبة نقيب وحصل على وسام عسكري بريطاني، وهو شرف كبير لأحد أفراد الطاقم الطبي العسكري.
وبمجرّد عودته إلى وطنه استأنف فلمنج مسيرته المهنية، متأثرًا بما رآه في أثناء الحرب، وكان هدفه محاربة البكتيريا، وكان مهتمًا بشكل خاص بالجهاز المناعي، حسب ما ذكره موقع "Foundation-Ipsen".
وعلى وجه الخصوص، سعى إلى فهم سبب بقاء شخص على قيد الحياة، وموت الآخر، مع أن الشخصين مُصابان بنفس النوع من العدوى، لأنّ هذا قد يساعده على إيجاد علاج فعّال.
وفي عام 1927، عُيِّن رئيسًا لقسم علم الجراثيم "Bacteriology" في كلية الطب في لندن، وفي العام التالي عُيِّن أستاذًا لعِلم الأحياء "Biology" في مستشفى سانت ماري.
بعد فلمنج.. كيف تحوّل البنسلين إلى دواء حقيقي؟
حمل الراية بعد فلمنج "هوارد فلوري" و"إرنست تشين" وزملاؤهما في كلية السير ويليم دان لعلم الأمراض بجامعة أكسفورد، فهم من حوّلوا البنسلين من مجرّد مصادفة مختبرية إلى دواء مُنقِذ للحياة.
وبدأ عملهم في تنقية البنسلين جديًا في عام 1939، عندما بدأت ظروف الحرب العالمية الثانية تجعل البحث صعبًا.
ولتنفيذ برنامج التجارب على الحيوانات والتجارب السريرية، احتاج الفريق إلى معالجة ما يصل إلى 500 لتر أسبوعيًا من مرشّح العفن.
وبدؤوا بزراعتها في مجموعة غريبة من أوعية الاستزراع، مثل الحمامات، وأواني النوم، وعلب الطعام. وفي وقت لاحق، صُمِّم وعاء تخمير مُخصّص لسهولة إزالة المرق الموجود أسفل سطح العفن وتوفير مساحة له.
وفي عام 1940، أجرى فلوري تجارب حيوية، أظهرت أنّ البنسلين قد يحمي الفئران من العدوى بالمكورات العقدية القاتلة. ثُمّ في 12 فبراير 1941، كان الشرطي "ألبرت ألكسندر" البالغ من العمر 43 عامًا، أوّل من تلقّى علاج البنسلين من أكسفورد. فقد خدش جانب فمه بينما كان يُقلِّم الورود، وأُصِيب بعدوى تهدد حياته، مع خُرَّاجات ضخمة تؤثّر في عينيه ووجهه ورئتيه.
وقد تعافى في غضون أيام بعد حقنه بالبنسلين، لكن إمدادات الدواء نفدت، وتوفّي بعد بضعة أيام.
ولكن النتائج كانت أفضل مع المرضى الآخرين، وسُرعان ما ظهرت خطط لجعل البنسلين متاحًا للقوات البريطانية في ساحة المعركة.
جائزة نوبل.. تكريم مُستحَق
أدّت التأثيرات الهائلة للبنسلين إلى منح جائزة نوبل في الطب وعلم وظائف الأعضاء في عام 1945 إلى كل من فلمنج، وتشين، وفلوري.
كما عُزِل البنسلين من الكائنات الحية الدقيقة الأخرى، ما أدّى إلى ظهور مصطلح جديد، وهو المضادات الحيوية.
وباستخدام تقنيات اكتشاف وإنتاج مماثلة، اكتشف الباحثون كثيرًا من المضادات الحيوية الأخرى في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، مثل الستربتوميسين، والكلوراميفينيكول، والإريثروميسين وغيرها.
ولكن كلّ ذلك لم يكُن ليحدث لولا شغف فلمنج وبحثه عن وسيلة لإيقاف العدوى التي كانت تفتك بجرحى الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى.
وربّما كان ترك فلمنج نافذته مفتوحة، ما سمح بتسرّب العفن إلى عينة البكتيريا التي أخذها من بعض المرضى، مصادفةً قادته إلى اكتشاف تأثير البنسلين.
ورغم أنّه لم يكُن هناك اهتمام كبير بما وجده في ذلك الحين، بل تعرّض لانتقادات وشكوك، فقد أتمّ تشين وفلوري عمل فلمنج، وقدّموا دواء البنسلين بعد تنقيته، وثبت أنّه فعّال في علاج العدوى البكتيرية، ما فتح الباب حتى اليوم لمضادات حيوية عديدة منعت ملايين الوفيات.
