نرفضه علنًا ونستخدمه سرًا.. لماذا يكذب المحترفون بشأن الذكاء الاصطناعي؟
يستخدم الكثير من المحترفين الذكاء الاصطناعي في عملهم وينكرون ذلك علنًا، لتكشف الجلسات المغلقة عن واقع مغاير تمامًا لما يُعلن.
وُثّقت هذه الظاهرة من قِبل المعالج النفسي الأمريكي الدكتور جيف كورنيل مع مراجعيه؛ حيث أبدت مبرمجة رفضها للتقنية بذريعة الحفاظ على أصالة الشفرات البرمجية، قبل أن تعترف باعتماد فريقها عليها، بينما زعم مؤلف أن كتابه بشري بالكامل، ثم تراجع عن موقفه وأقرّ بالحقيقة بمجرد شعوره بالأمان للحديث.
وأوضح كورنيل أن إنكار استخدام الذكاء الاصطناعي لا يحدث بشكل عشوائي، بل يرتبط بثلاثة أسباب محددة تفسر هذه الظاهرة في بيئات العمل والإبداع.
أسباب إنكار استخدام الذكاء الاصطناعي
السبب الأول: التشكيك في قيمة الإنجاز والأصالة
تسود في بيئات العمل قناعة مفادها أن مشاركة الآلة في العمل تُنقص من أصالة الإنجاز، وهو مفهوم يُعد غير منطقي من الناحية التاريخية؛ فقد استعان الفلاسفة القدماء بكتبة لتدوين أفكارهم، وهو ما دفع الباحث جون نوستا في مجلة Psychology Today إلى وصف نماذج اللغة الكبيرة بـ"الكتبة الديناميكيين" للعصر الحديث.
وكما يستعين الكتّاب بالمحررين، والطلاب بالأساتذة، والمحترفون بزملاء الاستشارة، فإن استخدام أداة لمراجعة فكرة أو توليد بدائل لا يلغي ملكية القرار النهائي.
وتكمن الإشكالية في غياب التمييز في النقاشات العامة بين "التعاون مع الذكاء الاصطناعي" و"التسليم له بالتفكير"، ما يجعل الجميع عرضة لحكم تقييمي قاسٍ وموحد.
السبب الثاني: التهديد المباشر للهوية المهنية
تتسبب قدرة التقنية على إنتاج نصوص أو شفرات برمجية كاملة خلال ثوانٍ معدودة في إثارة تساؤلات وجودية لدى أصحاب المهن القائمة على الكتابة والتحليل والبرمجة بشأن جدوى استمرار دورهم المهني.
وتعكس هذه الحالة قصة جون هنري في التراث الأمريكي، وهو عامل الحديد الذي تسابق مع آلة ثقب بخارية وتغلب عليها، غير أن المجهود الشاق أودى بحياته.
وتستمد هذه الأسطورة حضورها من تعبيرها عن خوف إنساني يشير إلى أن الآلة لا تكتفي بمنافسة المهارة البشرية، بل تجعل التمسك بها أمرًا مكلفًا ومجهدًا.
ويرتبط هذا القلق بنشوء نمط تفكير ثنائي حاد يفرض المفاضلة بين الاعتماد الكلي على العنصر البشري أو التسليم التام للآلة.
ووفقًا للدكتور جيف كورنيل، فإن هذا النمط ينبع من الميل المفرط للبحث عن اليقين ورفض الغموض، ما يؤدي إلى إضعاف القدرة على التكيف مع الأدوات الحديثة.
السبب الثالث: الخوف من الإدانة الاجتماعية الجماعية
أصبح انتقاد استخدام الذكاء الاصطناعي توجهًا سائدًا ومقبولاً اجتماعيًا، وهو ما يفسره الدكتور جيف كورنيل بظاهرة "الانتقاد الجماعي"؛ حيث يميل الأفراد إلى تبني الرأي السلبي الشائع رغبةً في التوافق الاجتماعي وتجنبًا للمخالفة، بصرف النظر عن قناعاتهم الشخصية.
وتتسبب هذه الظاهرة في دفع المحترفين إلى إخفاء اعتمادهم على التقنية خشية التعرض لتشكيك في أصالة مجهودهم ونسبته إليهم.
كما تؤدي هذه التساؤلات إلى تحويل مسار التقييم من التركيز على جودة المنتج النهائي وإتقانه إلى التفتيش في مدى "نقاء" الأداة المستخدمة، وهو معيار يعد استثنائيًا ولم يُطبق تاريخيًا على أي أداة أو تقنية أخرى في مجالات العمل الإبداعي والتحليلي.
متى يصبح الاستخدام إشكاليًا فعلاً؟
توجد حالات محددة يتطلب فيها الاستخدام الإفصاح الصريح، مثل البحث الأكاديمي الذي تشترط مؤسسته ذلك، والتقارير التي تعتمد على الدقة التحريرية الكاملة، والمهام التي يعتمد فيها طرف ثالث على الناتج دون علم بأداة التنفيذ.
وخارج نطاق هذه الحالات، يرتكز تقييم العمل على كيفية التعامل مع المخرجات وطريقة توظيفها لخدمة الفكرة الأساسية بدلاً من التركيز على مجرد أداة الاستعانة، وتعد كيفية معالجة هذه المخرجات وتطويرها المعيار الفعلي للمهارة والقيمة المضافة التي يقدمها العنصر البشري.
