كلمة واحدة قد تغيّر يومك.. كيف يقيس العقل مكانتنا بين الآخرين؟
يُنظر إلى الاهتمام بآراء الآخرين أحيانًا باعتباره علامة على ضعف الشخصية أو انعدام الثقة بالنفس، لكن علم النفس يقدم قراءة مختلفة لهذه المشاعر.
ويرى الباحثون أن تقدير الذات قد لا يكون مجرد حكم داخلي على قيمة الإنسان، وإنما يعمل كنوع من المؤشرات التي تتابع مكانته داخل محيطه الاجتماعي، فيما قد يكون الانزعاج من عدم الإعجاب أو القبول دليلاً على أن هذا المؤشر يؤدي وظيفته.
وفقًا لما نشره bolde، يرى هذا الطرح أن السؤال القديم «هل يحبونني؟» لم يختفِ مع تغير المجتمعات، وإنما تغيرت الطريقة التي يظهر بها.
وفي الماضي ارتبط الأمر بسمعة العائلة، وثقة أفراد القرية، ومكان الفرد داخل الجماعة، بينما أصبح اليوم قد يظهر في عدد الإعجابات على منشور أو تأخر شخص مهم في الرد على رسالة.
لماذا نراقب نظرات الآخرين؟
على امتداد التاريخ، لم يكن وجود الآخرين مجرد خيار اجتماعي، بل ارتبط بالحماية والغذاء وتبادل المعرفة والمساعدة في تربية الأطفال، إلى جانب الوصول إلى موارد تتجاوز قدرة الفرد على توفيرها بمفرده.
ولذا، لم يكن الشعور بالعزلة عن المجموعة مجرد تجربة مزعجة، بل كان يحمل مخاطر حقيقية، ومع مرور الوقت، أصبح الدماغ أكثر حساسية للإشارات الاجتماعية، فتعلّم التقاط نبرة الصوت وقراءة تعابير الوجه والانتباه إلى ما إذا كان المحيط يتسم بالترحيب أو النفور.
وتقول جوليانا برينز عالمة النفس الاجتماعي، إن الحاجة إلى الانتماء تجعل الإنسان أكثر دقة في قراءة الإشارات الاجتماعية وأسرع في اكتشاف ما تقدّره المجموعة.
ومن هذا المنظور، لا تعكس الحساسية تجاه آراء الآخرين غرورًا بالضرورة، بل يمكن أن تكون وسيلة لجمع معلومات اجتماعية تساعد الإنسان على معرفة موقعه داخل المجموعة، وما إذا كان وجوده مرغوبًا ومقبولاً.
كيف تؤثر إشارات الآخرين في تقدير الإنسان لذاته؟
تطرح بعض أبحاث علم النفس فكرة أن تقدير الذات يعمل باعتباره «مقياسًا للعلاقات الاجتماعية»، وليس مجرد درجة ثابتة تحدد قيمة الإنسان.
ويمكن ملاحظة ذلك في تفاصيل الحياة اليومية؛ فقد ينخفض شعور الشخص بقيمته بعد تغير نبرة شخص آخر، أو تجاهل صديق لرسالة، أو دخوله مكانًا يشعر فيه بأنه غريب.
وفي المقابل، قد يرتفع الشعور بالثقة عندما يضحك الآخرون على حديثه، أو يشعر بأنه موضع ترحيب، أو يتلقى إشادة من شخص يحظى باحترامه.
في الحالتين، يأتي التغير من إشارة خارجية تتعلق بكيفية استقبال الآخرين للشخص، وليس بالضرورة من إعادة تقييم شاملة لقدراته أو قيمته.
ويصف علماء النفس هذا المفهوم بأنه «مقياس العلاقات الاجتماعية»، إذ يعمل تقدير الذات كمؤشر مستمر على مدى القبول والتقدير داخل البيئة الاجتماعية؛ لذا قد يتغير هذا المؤشر يوميًا، وأحيانًا خلال ساعات، استجابة لجودة التفاعلات التي يمر بها الإنسان.
لماذا تؤثر كلمة واحدة أكثر من عشر مجاملات؟
لا تحمل آراء جميع الأشخاص الوزن نفسه؛ فقد يظل تعليق سلبي من مدير أو شخص مقرب حاضرًا في الذهن لساعات، بينما تمر عشرات المجاملات من الغرباء دون تأثير مماثل.
وبالمثل، قد يكون ابتعاد صديق مقرب أكثر إزعاجًا من مئات الإعجابات التي يحصل عليها منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويعود ذلك إلى أن «المقياس» لا يتعامل مع جميع الأشخاص أو الصفات بالطريقة نفسها، بل يتأثر بمن يحتلون مكانة مهمة في العالم الاجتماعي للفرد.
وقد يتأثر الشخص الذي يولي الذكاء أهمية كبيرة، مثلًا، بشدة بتعليق يشكك في كفاءته، بينما لا يمنحه تعليق سلبي على مظهره الوزن نفسه، وإذا كان الدفء والود يمثلان أساس علاقاته، فقد تكون لحظة برود من شخص مقرب كافية لتغيير حالته المزاجية طوال اليوم.
ويصف تي. ألكسندر بوتيو، عالم النفس الذي يُدرّس في جامعة هارفارد، تقدير الذات بأنه «إشارة» وليس قيمة ثابتة.
ومن هنا، يمكن فهم سبب اختلاف شعور الشخص تجاه نفسه باختلاف المجموعة التي يوجد فيها؛ فقد يشعر بالكفاءة والقبول في محيط، بينما يتراجع هذا الشعور في محيط آخر.
لذا، فإن الاهتمام بآراء الآخرين لا يعني بالضرورة ضعفًا أو غياب الثقة بالنفس، في بعض الحالات، قد يكون مجرد استجابة طبيعية لإشارات اجتماعية يلتقطها الدماغ باستمرار، بحثًا عن إجابة لسؤال قديم بقدر قدم العلاقات الإنسانية: أين أقف بين الآخرين؟
