تتصرف بشكل مختلف عندما يراقبك أحد؟ علم النفس يكشف السبب
نعيش اليوم وسط كمية هائلة ومزعجة من المراقبة المستمرة؛ فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت من كون الشخص مراقبًا جزءًا أساسيًا من تفاصيل حياته اليومية.
وإلى جانب ذلك، توجد الكاميرات في كل مكان، وبيانات الموقع الجغرافي، وتقنيات التعرف على الوجه، والشركات التي تجمع قطعًا من سلوكنا الرقمي والشخصي دون أن نكاد نلاحظ ذلك في معظم الأوقات.
لذا، عندما يُطرح موضوع الخصوصية والنقاش حولها، يخرج علينا أحدهم ليقول بكل ثقة: «إذا لم يكن لديك ما تخفيه، فما الذي يجعلك قلقًا وتخافه أساسًا؟».
يبدو هذا المنطق معقولًا للوهلة الأولى، وذلك حتى يمعن المرء النظر فيما تفعله المراقبة بالبشر حقًا. فالمسألة لا تتعلق أبًدا بما إذا كنت ترتكب خطأً ما أم لا، بل إن الكائنات البشرية تسلك وتتصرف بطرق مختلفة تمامًا بمجرد أن تراودها أفكار بأن أحدهم قد يكون مراقبًا لها ومتابعًا لكل تحركاتها، ما يغير حالة الإنسان الذهنية تمامًا بغض النظر عما إذا كان يمتلك أسرارًا أم لا.
آثار المراقبة وسيكولوجية المراقب
درس علماء النفس ما يُعرف بـ«تأثير المراقب» لأكثر من قرن كامل. ففي عام 1898، أثبت الباحث نورمان تريبلت أن راكبي الدراجات يسابقون بجهد أكبر عندما يوجد أشخاص آخرون حولهم. ومنذ ذلك الحين، أكدت عقود من الدراسات العلمية أن الشعور بالمراقبة يغير بوضوح سلوك الإنسان، ومعدل ضربات قلبه، ودرجة انتباهه، ومستوى وعيه بذاته.
وبمجرد دخول شخص آخر إلى الغرفة أو الحيز المحيط بك، فإن جزءًا كبيرًا من طاقتك العقلية والذهنية يتحول فجأة من التركيز على «ما الذي أفعله الآن؟» إلى التفكير المستمر في «كيف يبدو ما أفعله للآخرين؟».
وعلى حسب ما ورد على موقع bolde، لا يتطلب الأمر سوى الحد الأدنى لتحفيز هذا التغيير الذهني العميق. ففي إحدى التجارب، أخبر باحثون في جامعة تكنولوجيا سيدني المشاركين أن الكاميرات الموجودة داخل الغرفة ترسل بثًا حيًا ومباشرًا لشخص ما في الغرفة المجاورة.
ورغم أن الوجوه عُرضت على الشاشة بسرعة كبيرة تمنع أي شخص من إدراكها بوعي، إلا أن الأشخاص الذين اعتقدوا أنهم مراقبون التقطوا تلك الوجوه وتفاعلوا معها بشكل أسرع بكثير، وبفارق بلغ ثانية كاملة، ودون أن يدركوا أنهم يفعلون ذلك من الأساس، حيث دخلت أدمغتهم في حالة تنبيه اجتماعي تلقائي لمسح محيطهم بحثًا عن المراقبين ومعرفة معاني النظرات.
تأثير التبريد وتضييق مساحة الحياة
تفترض مقولة «ليس لديك ما تخفيه» أن المراقبة لا تلتقط سوى المذنبين والأشخاص الخارجين عن القانون. غير أن عملية التعديل والرقابة الذاتية التي تثيرها المراقبة لا تنقسم بشكل منظم بين ما هو جيد وما هو سيئ. فهي لا توقف فقط الأمور التي ينبغي للمرء أن يشعر بالخجل حيالها، بل تقمع أيضًا أي شيء يمكن إساءة فهمه، أو تذكره، أو الحكم عليه لاحقًا.
ويطلق باحثو المراقبة على هذه الظاهرة اسم «تأثير التبريد»؛ فحين يعتقد الناس أن سلوكهم يمكن جمعه وتخزينه للأبد، فإنهم يتراجعون عن ممارسة الأمور العادية والقانونية تمامًا.
ويشمل ذلك تجنب عمليات البحث الحساسة عن الأعراض الصحية، أو الامتناع عن كتابة آراء سياسية غير شائعة، أو التخلي عن قراءة ومشاركة الروابط والمعلومات الحساسة خشية التصاقها بالملف الشخصي للفرد مستقبلًا، حتى وإن كانت مجرد أفكار عابرة أو استفسارات بريئة.
وقد أثبت فريق بحثي في جامعة زيورخ هذه الظاهرة عبر تتبع 827 شخصًا لأسابيع؛ حيث تراجع الأشخاص الذين تذكّروا باستمرار بأنشطتهم الرقمية عن التواصل اليومي العادي، ليتحول السؤال المستمر داخل عقولهم من «هل أرتكب خطأً؟» إلى «هل سيُساء فهم هذا؟ من قد يراه؟ وماذا سيقول عني بعد خمس سنوات؟»، وهو ضغط مستمر يعمل في خلفية العقل طوال الوقت.
الخصوصية والذات الحقيقية
تعتمد تفاصيل الحياة العادية بشكل كبير على عدم الاضطرار الدائم لإدارة جمهور وهمي. فتحجيم هذا الضغط المستمر يمنح الإنسان مساحة ليكون على طبيعته دون الحاجة إلى تقمص أدوار مقبولة اجتماعيًا، أو تجربة آراء يمكن التخلي عنها بعد دقائق، أو كتابة رسائل وتعديلها في مسودات خاصة.
فالمراقبة وإن كانت تفيد أحيانًا في ردع الجرائم أو ضبط السلوك العام، إلا أن تعميمها يفترض خطأً أن المراقبة تكتشف الشخصية الحقيقية، بينما تؤكد الأبحاث أنها تقوم بتعديلها وتشويهها.
فالنسخة التي تظهر تحت المجهر وتحت وطأة المراقبة، تلك التي جرى تعديلها وتشكيلها بعناية لإرضاء أي جمهور محتمل، لم تكن قط هي الذات الحقيقية للإنسان؛ فالعين الحقيقية وحدها هي التي تحمي وتحرس ذلك الجزء من النفس البشرية الذي لا يزدهر ولا يوجد إلا حين لا يكون هناك من يراقب السجلات والأرقام، وتستطيع النفس أن تنعم بغرفة لا تضطر فيها لجعل سمعتها جالسة بجانبها على المقعد طوال الوقت.
