حب السكر لا يعني نفاد الصبر.. لماذا يهرب محبو الحلويات من المجهول؟
يربط كثيرون بين حب الحلويات والاندفاعية في القرارات، لكن دراسة علمية جديدة تقلب هذه الفكرة رأسًا على عقب؛ فمحبو السكر لا يختارون المكافأة الفورية لأنهم لا يصبرون، بل لأنهم يكرهون المجهول أكثر مما يحبون السرعة، وهذا الفارق الدقيق قد يعيد رسم خريطة فهمنا للاندفاعية من أساسها.
أجرت الباحثة آنا دافيدوفيتش وزملاؤها في مركز الإدراك وصنع القرار بجامعة HSE في موسكو تجربتين على 149 مشاركًا، صنّفوهم أولاً وفق مدى استمتاعهم بمحلول السكر بتركيزات مختلفة.
وتذوّق كل مشارك خمسة تركيزات من الماء المحلّى، وصُنِّف ضمن فئة "محبي الحلويات" إذا اعتبر أن التركيز الأعلى هو الأكثر متعة، أي ما يعادل 16 ملعقة صغيرة من السكر في كوب ماء واحد.
وأوضحت الدراسة المنشورة في مجلة Frontiers in Psychology أن هذا التصنيف البسيط مكّن الباحثين من الربط بين تفضيل المذاق الحلو وسلوكات اتخاذ القرار المرتبطة بالمخاطرة والاندفاعية.
تعريف مفهوم الاندفاعية عند محبي الحلويات
أظهرت نتائج الدراسة أن الأشخاص الذين يفضلون المذاق الحلو كانوا أكثر ميلاً لاختيار المكافأة المضمونة، حيث تجنّبوا الدخول في رهانات غير مؤكدة، خصوصًا عندما كانت النتائج أقل قابلية للتنبؤ.
وعلى العكس، عندما كان الخياران كلاهما مؤجلين ولم يكن هناك عنصر فوري، فضّل هؤلاء الانتظار للحصول على المبلغ الأكبر.
هذا التباين في السلوك داخل نفس المهمة يوضح أن العامل المؤثر لم يكن الرغبة في السرعة، بل وجود خيار مضمون في اللحظة الراهنة.
وعندما أضاف الباحثون بيانات كل مشارك في الرهانات إلى النموذج الإحصائي، اختفى الفارق بين المجموعتين ولم يعد ذا دلالة واضحة.
وتعيد الدراسة تعريف مفهوم الاندفاعية؛ فاختيار المكافأة الفورية الأصغر لا يعكس بالضرورة ضعف ضبط النفس، بل قد يكون نتيجة لتجنب المخاطرة بمكافأة مؤكدة مقابل وعد غير مضمون.
وأوضحت الباحثة آنا دافيدوفيتش: "اعتدنا النظر إلى الاندفاعية باعتبارها عجزًا عن تأجيل الإشباع، لكن نتائجنا تكشف آلية مختلفة، حيث قد يكون الدافع الأساسي هو رفض الغموض أكثر من الرغبة في السرعة".
الجهاز الأفيوني ودوره في قرارات محبي الحلويات
يرى الباحثون أن ثمة تفسيرًا بيولوجيًا محتملاً يكمن في الجهاز الأفيوني بالدماغ، المرتبط بالاستمتاع بالمكافآت والتوق إليها.
مستقبلات هذا الجهاز تتركز في اللوزة الدماغية والقشرة الجزيرية، وهما منطقتان تضطلعان بدور رئيس في تقييم التهديدات وحالات عدم اليقين.
ووفقًا لفرضية الفريق البحثي، فإن زيادة حساسية الجهاز الأفيوني في الدماغ تؤدي إلى تضخيم الشعور بمتعة المكافأة، لكنها في الوقت نفسه تضخّم الإحساس بالخسارة المحتملة.
لذا، يميل محبو الحلويات إلى مقارنة كل رهان بالمكافأة المضمونة المتاحة، فيرون أن الحصول على "صفر" عند الخسارة ليس مجرد غياب للربح، بل خسارة فعلية في نظرهم.
دقة اختبار تذوق السكر مقارنة بالاستبيانات
لم تُظهر الاستبيانات الشخصية التي أكملها المشاركون، والتي تناولت قياس الاندفاعية والسعي وراء الإثارة وتقدير المخاطر الذاتية، أي فروق واضحة بين المجموعتين.
وهذا يعني أن اختبار بسيط مثل تذوق الماء المُحلّى بالسكر كان أكثر دقة في تصنيف الأفراد مقارنةً بالاعتماد على تقييماتهم الذاتية.
ويخطط الفريق البحثي في المرحلة المقبلة لاستخدام تقنية تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لتسجيل نشاط الدماغ أثناء اتخاذ القرارات، إضافةً إلى نمذجة الآليات التي تقود إلى القرار نفسه وليس مجرد النتيجة النهائية.
