Doomscrolling.. لماذا لا نستطيع التوقف عن تصفح مواقع التواصل الاجتماعي؟
لا يعتبر التمرير اللانهائي عبر منصات التواصل الاجتماعي سلوكًا عابرًا، بل تجسّد كظاهرة عالمية عابرة للحدود الثقافية والأجيال.
ووفقًا لما نشر في موقع Psychology Today، هذا النمط المعروف بـ"Doomscrolling" -والذي يقوم على التمرير العشوائي والمتواصل عبر الـFeed- بات طقسًا يوميًا راسخًا في حياة ملايين البشر حول العالم.
وتنجح منصات المحتوى القصير، مثل TikTok وInstagram Reels وYouTube Shorts، في سلب ساعات متراكمة يوميًا من وقت المستخدمين، فارضةً واقعًا يتجاوز مجرد الاستهلاك لدقائق معدودة، وهو سلوك لا يعتبر حكرًا على شريحة عمرية معينة أو جغرافية محددة، بل يتمدد عبر كافة الفئات الاجتماعية بآلية متسارعة.
أمام هذا المشهد، يتجه الباحثون لنبش الأسباب العصبية والنفسية الكامنة خلف الظاهرة، لتكشف نتائجهم عن حقيقة مفصلية: العلاقة الحاكمة بين إفراز هرمون الدوبامين وإدمان المحتوى القصير أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما كان يُفترض تبسيطه.
آلية عمل الخوارزميات
يُظهر الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR) أن إدمان التواصل الاجتماعي لا يُصنّف كاضطراب سلوكي رسمي حتى الآن؛ غير أن كثيرًا من الأبحاث الراهنة المتعلقة بالهوس بالهواتف الذكية تكشف عن الآلية البنيوية الحاكمة لهذا السلوك.
ويبرز "نظام التعزيز الجزئي" كمحرك رئيس لهذا الانشغال؛ إذ لا تقدم خوارزميات المنصات محتوى جيدًا في كل مقطع، بل توزعه بصورة متقطعة وغير منتظمة.
وتتسبب هذه العشوائية بالذات في توليد حالة تُعرف بـ"استمرارية توقع المكافأة"، ما يعزز شعور الترقب لدى المستخدم عند الانتقال من مقطع إلى آخر.
وينتج عن ذلك ظهور الفيديو الجيد أكثر إمتاعًا بسبب ما سبقه من محتوى عادي، ما يبقي المستخدم ملتصقًا بالشاشة.
علاقة التمرير بالدوبامين
تعتبر العلاقة بين التمرير اللانهائي ومسارات الدوبامين أعقد بكثير من الطرح المباشر للنموذج التقليدي للإدمان؛ ما يجعل الافتراض القائل إن التمرير يُطلق فورات متتالية من الدوبامين -الناقل العصبي المرتبط بالمكافأة- مجرد تفسيرٍ مُبسط لا يحسم آلية هذا السلوك.
وفي التفاصيل، خلصت دراسة أجرت فحوصات PET لقياس نشاط منطقة البوتامين في الدماغ إلى نتيجة مغايرة، مؤكدة أنه كلما ارتفع معدل استخدام منصات التواصل الاجتماعي، انخفض إنتاج الدوبامين لا العكس، وهي علاقة عكسية لا تثبت السببية لكنها تكسر الافتراض المتداول.
واستخدمت دراسة أخرى تقنية MRI الحساسة للنيورومالانين -باعتبارها مؤشرًا بديلاً لقياس إنتاج الدوبامين- ولم تجد أي ارتباط ذو دلالة بين ارتفاع معدل استخدام التواصل الاجتماعي وزيادة إنتاج هذا الناقل العصبي.
وتؤكد النتيجة المشتركة لكلتا الدراستين أن الآلية الفاصلة بين السلوك والرواسب العصبية تتجاوز الفهم السائد.
لماذا يصعب قياس هذا الإدمان؟
تكمن الإشكالية الكبرى في دراسة هذه الظاهرة في كون المكافأة التي يحصّلها المستخدم غير قابلة للقياس بمعيار واحد؛ إذ يقدم التمرير في اللحظة ذاتها مزيجًا من الحداثة، والفكاهة، والمعلومات، والمعرفة الاجتماعية، إضافة إلى ملء فراغ الملل وتغذية الترقب؛ إذ يحوّل هذا التشابك في المكاسب اللاواعية محاولات قياس الظاهرة أو السيطرة عليها إلى تحدٍ منهجيًا حقيقيًا.
وبناءً على ذلك، يميل الباحثون إلى أن تحديد ما يعتبره كل فرد مجزيًا بشكل شخصي في تجربته الخاصة قد يشكل نقطة الانطلاق الأجدى لكسر هذه الحلقة، بدلاً من الاعتماد على حلول عامة موحدة.
ورغم أن الفهم العلمي لظاهرة التمرير اللانهائي ما زال في بداياته، إلا أن المعطيات المتوفرة تكفي للوصول إلى نتيجة عملية مفادها أن هذا السلوك لا يعبر عن ضعف في الإرادة الفردية، بل هو استجابة لتصميم خوارزمي مدروس يستغل آليات نفسية وعصبية فعلية، ليصبح وعي هذه الحقيقة الخطوة الأولى نحو استعادة التحكم في وقت الشاشة.
