ماذا يحدث عندما تسمح للتطبيقات بتتبع نشاطك؟.. بيانات تكشف أكثر مما تتوقع
لا يتنصّت هاتفك عليك دون إذنك، وفكرة التسريبات الصوتية مجرد خرافة راسخة، خاصةً حين تظهر أمامك إعلانات لمنتج ذكرته عرضًا لزميلك دون إجراء بحث إلكتروني عنه.
ووفقًا لما نشر على موقع Engadget، تعتمد الآلية الفعلية على تقنيات تتجاوز الصوت لتتبع الإشارات غير اللفظية وتحويلها إلى بيانات ربحية.
وتتجسد هذه الإشارات في معدل سرعة تصفحك للصفحات، طبيعة شبكة الاتصال المُستخدمة (سواء كانت واي فاي أو شبكة محمول)، وطريقة الوصول للمحتوى عبر محركات البحث أو منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ تكفل هذه المعطيات رسم صورة شاملة للمستخدم وتحديد اهتماماته بدقة عالية.
وفي هذا السياق، تعتمد آلية التتبع الإعلاني لمعرفة التفضيلات على معرّفات فريدة لكل جهاز، تُتيح لشركات مثل "جوجل" و"ميتا" دمج النشاط الرقمي للمستخدم عبر التطبيقات المختلفة في ملف إعلاني موحد.
وتُفعّل هذه الخصائص تلقائيًا على أجهزة "أندرويد"، في حين يتطلب نظام "iOS" موافقة صريحة من المستخدم عبر إطار "شفافية تتبع التطبيقات" قبل إتاحة هذا المعرّف.
وتتضح دلالة هذا الفرق الرقمي عندما أعلنت شركة "ميتا" في عام 2022 خسارة بلغت 10 مليارات دولار عقب تطبيق "آبل" لنافذة الموافقة، بعد أن اختار غالبية مستخدمي "آيفون" رفض منح التطبيقات حق التتبع.
ولإيقاف هذا التتبع على نظام "أندرويد"، يُمكن التوجه إلى إعدادات "جوجل"، ثم اختيار "الإعلانات"، وحذف معرّف الإعلانات.
أمّا على نظام "iOS"، فيُمكن فتح "الخصوصية والأمان"، ثم "التتبع"، وإيقاف خيار السماح للتطبيقات بطلب التتبع.
دور أذونات الاستشعار في ظهور الإعلانات
بالإضافة إلى المعرّفات الرقمية، تؤدي أذونات الاستشعار (الموقع، الكاميرا، والميكروفون) دورًا حاسمًا في توفير بيانات من المكونات الفعلية للجهاز.
فمثلاً، يحتاج تطبيق "خرائط جوجل" إلى صلاحية الوصول للموقع الجغرافي كي يعمل، لكن "جوجل" تستغل هذه البيانات أيضًا لعرض إعلانات أكثر استهدافًا وفقًا لوثائق سياسة الخصوصية الخاصة بها.
ويحتاج إنستجرام إلى الكاميرا للتصوير، لكنه يحلل الوجوه والنصوص والأشياء في الصور ذاتها لأغراض إعلانية.
الخطر الأكبر يكمن في تطبيقات تبدو بريئة، كتطبيقات الطقس التي تطلب الموقع لتقديم توقعاتها، لكن نشاطها الفعلي يقوم على بيع بيانات الموقع إلى وسطاء البيانات.
وفي عام 2022، دفعت ميتا 37.5 مليون دولار تسوية لدعوى جماعية رفعها 70 مليون مستخدم ادّعوا أن تطبيقاتها تتبّعت مواقعهم حتى مع تعطيل إذن الموقع.
ولا يحدد الموقع الجغرافي عبر GPS وحده؛ شبكات الواي فاي القريبة وأبراج الاتصال وأجهزة البلوتوث تحدد موقعك بدقة مماثلة تقريبًا.
التتبع الاستدلالي: الأخطر لأنه لا يحتاج إذنًا
ولا يتوقف جمع البيانات عند الأذونات الصريحة، إذ يُعد التتبع الاستدلالي النوع الأشد خطورة كونه يعمل دون الحاجة لأي موافقة من المستخدم.
على سبيل المثال، تُظهر بيانات مقياس التسارع في الهواتف الذكية -المسؤول عن توجيه الشاشة- انحرافات دقيقة غير معايَرة بنسبة كاملة، تُوظفها التحليلات التقنية للتعرف على هوية المستخدم، أسلوب مشيته، حالته النفسية، وطبيعة نشاطه.
وتكشف أنماط استخدام لوحة المفاتيح عن الحالة الذهنية عبر قياس سرعة الكتابة، معدل الأخطاء، وفترات التردد قبل اختيار الكلمات.
وتكتمل هذه المنظومة بـ"البصمة الرقمية للجهاز"، وهي مزيج فريد بين المكونات المادية وحالة البرامج تعتمد عليه الأغلبية العظمى من التطبيقات والمواقع كمعيار موثوق للتعرف على المستخدمين.
ورغم أن استخدام شبكات VPN والمتصفحات الموجهة للخصوصية وأدوات حجب الإعلانات يساعد في تقليل آثار هذا التتبع، إلا أنه لا يلغيه كليًا.
التداعيات الحقيقية: أبعد من الإعلانات
رغم خطورة الانتهاكات الإعلانية، فإن التداعيات الحقيقية لجمع البيانات تتجاوز حدود الاستهداف الإعلاني إلى مجالات سياسية وأمنية وقانونية متعددة.
وكشفت حادثة "كامبريدج أناليتيكا" استخدام بيانات ملايين من مستخدمي منصة "فيسبوك" للتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016.
وفي سياق متصل، أظهر تقرير صدر عام 2024 شراء ناشطين لبيانات زوار عيادات "بلاند بارنتهود" لتوجيه معلومات مضللة حول الإجهاض للفئات المستهدفة.
أمّا على الصعيد الأمني والقانوني، فتعتمد جهات إنفاذ القانون على شراء بيانات المواقع الجغرافية من سماسرة تجاريين للملاحقة القضائية، حيث ينفذ مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عمليات شراء منهجية لبيانات المستخدمين من هؤلاء الوسطاء تحت إدارة كاش باتيل.
الخطوات العملية لتقليص أثر تتبّعك
تُمثّل المراجعة الدورية لأذونات التطبيقات خطوة أساسية للحفاظ على الخصوصية الرقمية؛ حيث يُوصى بحذف التطبيقات غير المُستخدمة لاستمرار بعضها في جمع البيانات في الخلفية.
ويُفضل إلغاء المعرّف الإعلاني على أجهزة "أندرويد"، وتعطيل خاصية التتبع على أجهزة "iOS"، مع تقييد صلاحية الوصول إلى الموقع الجغرافي لتكون "أثناء الاستخدام فقط" بدلاً من السماح بها دائمًا.
ويُعد التخلص من التطبيقات التي لا تشكل ضرورة حقيقية في الحياة اليومية القرار الأشمل لتعزيز حماية البيانات.
