هل تشتري ما تحتاج إليه حقًا أم أنّ الدوبامين يستنزف جيبك؟
عندما تمضي بعض الوقت متصفحًا المتاجر الإلكترونية؛ تتقلّب بين العروض هنا وهناك، تملأ سلة الأُمنيات، وتتخذ خطوة الشراء، ثُمّ تتابع شُحنتك منذ لحظة تحرّكها حتى تصل إلى باب بيتك؛ تُرى ما المشاعر التي تسري فيك طوال تلك الرحلة؟
بالتأكيد لست حزينًا ولا نادمًا، بل ربّما مُستمتع ومتحمّس خصوصًا عندما تكون منتظرًا لمنتج جديد اشتريته، ولكن مهلًا لحظة، هل تحتاج إلى هذا المنتَج الذي دفعت ثمنه للتوّ فعلًا، أمّ أنّ الحماس وما أفرزه من دوبامين هو من قادك للضغط على زر الشراء؟
هرمون الدوبامين.. باعِث السعادة داخلك
هرمون الدوبامين جزء من نظام المكافأة الداخلي لدينا، وهو ما يمنحنا شعور المُتعة والسعادة، ويبعث فينا الدافع للقيام بالأمور التي تُمتِعنا، وأدمغتنا مُصمّمة للبحث عن السلوكات التي تُطلِق هذا الدوبامين؛ إذ عندما تُمتِع نفسك بشيءٍ ما، يفرِز دماغك كمية كبيرة من الدوبامين، فتشعر بالسعادة تسري فيك، وتتطلّع بالطبع إلى مزيدٍ من هذا الشعور.
تأثير الدوبامين على الشراء.. غزو السعادة
ليس ضروريًا أن تكون مدمنًا التسوق كي يغزو الدوبامين نفسك ومشاعرك، بل حتى المتسوّق العادي يواجِه صعوبة في ضبط نفسه عند الدفع لأجل الشراء.
كما توصّل باحثون في جامعة ستانفورد في دراسة عام 2007 في دورية "Neuron" إلى أنّه عند رؤية صور لعناصر ترغب في شرائها، تنشط منطقة الدماغ المحتوية على مستقبِلات الدوبامين.
ولا تنشط مستقبِلات الدوبامين إلّا عندما تجرّب شيئًا جديدًا أو مثيرًا أو شاقًا، وهو ما يُحرّكك لاتخاذ الإجراء اللازم لتحفيز مزيدٍ من الدوبامين والسعادة، ولذا فإنّه بالطبع قد يكون مؤثّرًا في عملية الشراء.
فعندما ترى المُشتريات، فإنّها تبعث إحساسًا بالرضا الفوري، وكُلّما كُنت راضيًا عن المُشتريات، زادت احتمالية استمرارك في التسوق.
ولكن بعدها، قد تنتابك مشاعر شديدة بالذنب -كما هو الحال مع مدمني المواد الممنوعة- ولكي تعود إلى ذروة السعادة بالدوبامين مرة أخرى، قد تعاوِد الشراء من جديد.
ترقّب المنتجات.. كيف يجعلنا أسرى للشراء؟
قد تظنّ أنّ الدوبامين يُفرَز عندما تنال ما تريد، ولكن الحقيقة أنّه قد يُفرَز قبل ذلك بينما تترقّب ما تريد أن تحصل عليه بشدّة.
ودرس عالِم الأعصاب "روبرت سابولسكي" الدوبامين في الدماغ؛ إذ درّب قرودًا على تعلّم أنّ إضاءة الضوء إشارة لهم، وعرفت القرود أنّه عند الضغط على زر 10 مرات بعد الإشارة (إضاءة الضوء)، فعند الضغطة العاشرة، ستظهر وجبة خفيفة.
وقاس "سابولسكي" كمية وتوقيت إفراز الدوبامين خلال تلك التجربة، وقد تلقّت القرود المكافأة بمجرد الضغط على الأزرار عشر مرات، وبدأ إفراز الدوبامين بمجرد وصول الإشارة وانتهى عند نهاية الضغط على الأزرار.
الدوبامين الرقمي أعمق أثرًا
لا تختلف طريقة تفاعل أدمغتنا كثيرًا عن التجربة التي قام بها عالِم الأعصاب؛ لذا فإنّ ترقب وانتظار ما نودّ شراءه قد يبعث فينا مُتعة وسعادة قبل حتى أن نستمتع بما اشتريناه، فعندما تطلب منتَجًا عبر الإنترنت مثلًا، فإنّك لا تحصل عليه فورًا، بل ينبغي الانتظار.
وفي تقريرٍ عنوانه "الدوبامين الرقمي"، قدّمت شركة Razorfish نتائج مقابلات واستطلاعات رأي أُجريت مع 1,680 متسوقًا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والبرازيل والصين في عام 2014، وجاء في التقرير:
"يقول 76% من الأشخاص في الولايات المتحدة، و72% في المملكة المتحدة، و73% في البرازيل، و82% في الصين، إنّهم متحمّسون أكثر عندما تصل مشترياتهم عبر الإنترنت في البريد، مقارنةً بشراء الأشياء من المتجر".
الدوبامين لا يتركك عندما تتابع شحنتك
لا يتوقّف إفراز الدوبامين عند طلب المنتجات، بل يستمرّ بصورةٍ لا تتخيّلها بينما تتبّع شحنتك؛ إذ إنّ 96% من المتسوّقين يتتبعون شحنتهم بنشاط، بينما يترقّبون وصولها إلى أبوابهم، حسب دراسة "UPS".
وهذا قد يُفسّر لماذا يُعدّ تتبع الشحنة إدمانيًا بالنسبة لبعض الناس، وأنّ انتظار الطلب قد يكون أسعد بالنسبة لهم من استلامه، لأنّ نظام المكافأة في الدماغ يظلّ نشطًا لفترة طويلة تحت وطأة ضربات الدوبامين المستمرة، والمفارقة أنّه عند استلام الطلب قد تشعر بسعادةٍ أقل، لأنّ نظام المكافأة لا يستمرّ بوتيرة عالية لفترةٍ طويلة، كما أنّ حالة الترقّب المحفّزة لك قد توقّفت بالفعل.
الشراء الاندفاعي.. حيلة أخرى من حيل الدوبامين
لا يبعث الدوبامين السعادة في نفسك فحسب، بل يُنظّم أيضًا استجابتك العاطفية، بل عندما تندفع في الشراء في جزء من الثانية -أو أقل- دون تعقّل، فإنّك قد لا نفكّر بالطريقة المعتادة لوزن الفوائد والأخطار.
وفي كثيرٍ من الأحيان، يُتخذ القرار دون وعيٍ كاف بتبعاته، بينما يثِير الشراء موجات الدوبامين في الدماغ، ما يجعلك مرتبطًا من الناحية الوجدانية بمُنتَج مُعيّن.
وربّما تنشأ هذه الدوافع بسبب تجارب مُسبقة مع علامات تجارية مُحدّدة، كما يمكِن أن تنشط تلك الدوافع عندما نرى بعض المشتريات التي أجّلناها في قائمة الأمنيات "wish list"؛ خصوصًا مع تأثير الدوبامين عند الترقّب ذاته قبل الشراء.
كيف تتفادى فخّ الدوبامين وتتحكم في قراراتك الشرائية؟
لا يزال بمقدورك الاحتيال على الدوبامين واستعادة السيطرة على ميزانيتك وقرارتك الشرائية بالحيل الآتية:
1. أعطِ نفسك بعض الوقت
إذا كُنت متوترًا أو تشعر بالملل، فقد تندفع في الشراء بسهولة عندما تخطف عينيك بعض التخفيضات، وربّما تدرِك لاحقًا أنّ ما اشتريته ربّما لم يكُن تريده حقًا أو أنّه لم يستحق الثمن الذي دفعته من أجله.
ولهذا السبب يُوصَى بالانتظار 24 ساعة على الأقل قبل المضي قدمًا في أي عملية شراء، وإذا كان لديك "قائمة أُمنيات" بالفعل، فراجِع كل عنصر على حدة لمعرفة ما إذا كان مهمًا بالنسبة لك أو أنّه غير ضروري.
وغالبًا ما ستتلاشى الرغبة المُلحّة في الشراء التي يقودها الدوبامين بينما تواصِل يومك كالمُعتاد.
2. ناقِش نفسك أولًا
وفقًا للدكتورة "ميغان مكوي" الأستاذة المساعدة للتخطيط المالي الشخصي في جامعة ولاية كانساس، فإنّ الأسئلة الآتية يمكِن أن تعِينك على تحديد مدى جدارة المنتَج بأموالك:
- التوقيت: هل كُنت تريد شراءه من فترة أم أنّها رغبة مفاجئة وجديدة؟
- القدرة على تحمّل الكُلفة: هل يمكنك شراء المنتج دون استخدام بطاقتك الائتمانية أو التضحية بالضروريات، مثل الفواتير أو البقالة أو سداد الديون؟
- الغرض: هل هو استبدال أو ترقية شيء ضروري (مثل جهاز مكسور أو حذاء مهترئ)؟
- الحالة النفسية: هل تشتري بدافع الملل أو الحُزن أو الإثارة، أمّ لأنّ المنتَج يجعل جودة حياتك أفضل بالفعل؟
- احتمالية الندم: هل ستندم إذا لم تشترِ المنتَج لو انتظرت يومًا إضافيًا أو أسبوعًا؟
وإذا واجهت نفسك بكلّ تلك الأسئلة، وظللت راغبًا في الشراء، فمن المرجّح أن يكون المنتَج احتياج حقيقي لك وليس شراءً اندفاعيًا.
3. ألغِ اشتراكك من رسائل البريد التسويقية
بالتأكيد تزعجك إشعارات بين الحين والآخر تدّعي أنّك "تركت شيئًا في سلة التسوق الخاصة بك" أو رسائل بريد إلكتروني يومية تخبِرك بخصم لن يدوم طويلًا، ومِنْ ثمّ قد يُنصَح بإلغاء الاشتراك وتفريغ صندوق الوارد من مثل هذه الرسائل، إذا كُنت تحاول إحكام قبضتك على ميزانيتك.
أيضًا يمكنك أن تلغِي متابعة بعض المؤثّرين الذين يروجون لبعض المنتجات التي تستنزف أموالك دون أن تكون بحاجةٍ حقيقية إليها.
4. اعتمد الدفع النقدي لا الائتماني
هو دفع أموال في نهاية المطاف، ولكن لطريقة الدفع أثر لا يمكِن تجاهله، فقد أشارت دراسة عام 2024 في مجلة السلوك الاقتصادي والتنظيم إلى أنّ الدفع النقدي قد يساعدك على التسوق بإرادتك.
وذلك لأنّه على عكس بطاقة الائتمان التي توهِمك بامتلاك أموال غير محدودة، فإنّك ترى الفواتير في متناول يديك، والتي تدقّ إنذارًا واضحًا ومؤلِمًا للمبلغ الذي تفقده بالفعل، وهذه الطريقة قد تجعلك أكثر عقلانية في قرارات الشراء، فلا تكون فريسة للعروض الترويجية.
ختامًا، قد نترك الدوبامين يقرّر نيابةً عنّا ما نشتريه، ونكتشف لاحقًا أنّنا قد تسرّعنا في قرار الشراء، خصوصًا مع نشوة المُتعة التي تملؤنا بينما نترقّب وصول المنتَج على عتبة بابنا، ولكن لا يزال من الممكن تفادي هذا الفخّ، بإمهال نفسك قبل الشراء والاعتماد على الدفع النقدي بدلًا من الائتماني، والهدف ليس حرمان نفسك، وإنّما أن تكون قرارات الشراء منطقية.
