إهمال نقاط قوتك قد يضرّك أكثر من الإفراط فيها.. 5 دراسات تكشف كيف تستعيدها
تُقدّم خمس دراسات علمية مُحكَّمة رؤية ثورية للنفس البشرية؛ إذ تُثبت أن نقاط القوة الشخصية ليست سماتٍ جامدة، بل هي قدراتٌ مرنةٌ قابلةٌ للتطوير حتى لدى المصابين بالاكتئاب السريري.
كما تكشف الأبحاث حقيقةً لافتةً وهي أن إهمال هذه القوى وعدم استغلالها يجلِبان أثرًا نفسيًا سلبيًا أشد ضررًا من المبالغة في توظيفها.
وتتجلى هذه الحقيقة في الدراسة المنشورة في "مجلة علاج السلوك والطب النفسي التجريبي"؛ إذ أظهرت أن خضوع 50 امرأة يُعانين الاكتئاب الحاد لثماني جلسات من التدريب الإيجابي أثمر عن تحولٍ لافت في قواهن الذاتية، وتعميق وعيهن بأنفسهن، وإعادة رسم منظورهن للزمن.
أهمية رصد نقاط القوة
ولا يتوقف أثر نقاط القوة عند حدود التعافي النفسي الفردي، بل يمتد ليُشَكِّل بيئات العمل والقيادة؛ حيث أظهرت دراسة أخرى نُشرت في "Journal of Happiness Studies, 2024" تتبّعت 255 مديرًا جرى توزيعهم عشوائيًا بين مجموعتين: الأولى تدرّبت على رصد نقاط القوة الأساسية لدى الموظفين، والثانية ركّزت على نقاط القوة الأقل ظهورًا في تسلسلهم الشخصي.
ورغم اختلاف الزاوية، نجح كلا الأسلوبين بعد شهر واحد في رفع كفاءة التوجيه والتدريب لدى المديرين.
وتكمن الفكرة الجوهرية هنا في أن سرّ النجاح لا يرتبط بنوع نقطة القوة المُستهدفة، بل "بسبب الانتباه والإشادة" في حد ذاته؛ فعندما يلاحظ القائد سلوكًا إيجابيًا ويقرنه بقوة شخصية محددة، ينعكس ذلك فورًا على عمق التواصل المهني وجودة بيئة العمل بأكملها.
علاقة القوى الشخصية بالرفاه النفسي
وفي خطوة منهجية واسعة، قدّم فريق بحثي إسباني عام 2025 مراجعة شاملة لـ 21 دراسة مرجعية ضمت 162 تجربة عشوائية محكومة شملت ما يزيد على 30,000 مشارك، حيث فرض الباحثون شروطًا صارمة أقصت 9 قوى شخصية من أصل 24 لقلة الأدلة المستوفية للمعايير.
وقد أظهرت النتائج أن ثلثي التدخلات نجحت في تعزيز القوى المستهدفة، بينما رفع 63% منها مستوى الرفاه النفسي العام، لتتصدر قوى اللطف، والفكاهة، والأمل، والحكمة، والامتنان قائمة الأكثر استجابة للتدريب؛ حيث حقق التدريب على اللطف عبر الرحمة بالذات، والحكمة عبر اليقظة الذهنية، أعلى المكاسب القياسية.
الدفعة البيئية الصغيرة تحوّل الوعي إلى سلوك
وفي السياق التطبيقي لبيئات العمل، كشفت دراسة نُشرت في "Journal of Applied Positive Psychology, 2024" عن أثر استخدام "الدفعات السلوكية" عبر مقابلات تعمّقت في تجارب الموظفين مع نقاط قوتهم الرئيسة.
وتُعرَّف "الدفعات السلوكية" بأنها محفزاتٌ بيئيةٌ بسيطةٌ وغيرُ مكلفةٍ، تُوجّه السلوك بذكاءٍ دون سلب حرية الاختيار. وقد كشف التحليل عن ثلاثة محاور رئيسة لهذه الدفعات؛ فهي تحوّل الوعي بنقاط القوة إلى ممارسةٍ ملموسة، ويزداد تطبيقها كلما شعر الفرد بارتباطه الشخصي بتلك القوة، فضلاً عن دورها في توليد مشاعر إيجابية متنوعة.
وتتجسد هذه الفكرة في تطبيقاتٍ يوميةٍ يسيرة؛ كأن يضع الموظف صورةً على شاشة حاسوبه تُذكّره بالامتنان، أو يُعلّق ملصقًا صغيرًا يُكتَب عليه "استمع أولاً" أمام مكتبه، لتكون دفعةً هادئةً نحو ممارسة التواضع.
تأثير تفعيل القوى بالأعراض النفسية
وختامًا لهذه السلسلة من الشواهد، جاءت دراسة حديثة (2026) شملت أكثر من 300 مشارك لتقيس بدقة أثر الاستخدام المفرط والمُهمَل والمثالي لنقاط القوة في مقابل الأعراض النفسية كالاكتئاب والقلق والاضطرابات السلوكية.
ورغم أن النمط العام أكّد وجود علاقة عكسية بين تفعيل القوى والأعراض النفسية، إلا أن الكشف الأبرز تمثّل في أن "إهمال نقاط القوة" كان المؤشر الأكثر ثباتًا وقدرة على التنبؤ بتفاقم الاضطرابات، متجاوزًا بمراحل أثر "الإفراط" فيها.
وتأتي هذه البيانات الصارمة لتؤكد حقيقة جوهرية: الناس بحاجة ماسة لتفعيل قواهم الشخصية وتوظيفها، لا لكبحها أو تقليصها.
والخلاصة: حدّد القوى الشخصية التي تميل إلى إهمالها، وسمِّ السياق الذي يحدث فيه هذا الإهمال، ثم اختر تصرفاً واحداً تستعيد به حضور تلك القوة في حياتك اليومية.
