فقدان الذاكرة الرقمية.. لماذا لم نعد نتذكر كما كنا؟
تُحذر أبحاث علم الأعصاب من ظاهرة متزايدة تُعرف بـ "فقدان الذاكرة الرقمية" (Digital Amnesia)، وهي الحالة التي ينجم عنها تراجع قدرة العقل على الاسترجاع والتذكر نتيجة الاعتماد المفرط على الهواتف الذكية.
ويُوضح الدكتور كريس بيرد أستاذ علم الأعصاب المعرفي ورئيس مجموعة أبحاث الذاكرة التحليلية بجامعة ساسكس البريطانية، أنّ الأجهزة الذكية تُخلص الدماغ من أعباء تخزين التفاصيل العشوائية كالأرقام والمواعيد، ما يُتيح مساحة ذهنية للمهام المعقدة.
لكن في المقابل، يرى الدكتور أوليفر هاردت، أستاذ علم الأعصاب بجامعة ماكغيل الكندية، أن الذاكرة تشبه العضلات تمامًا؛ إذ يؤدي إهمال تشغيلها إلى إضعاف الأنظمة العصبية المسؤولة عن الذاكرة طويلة الأمد تدريجيًا، ما يدخل الإنسان في حلقة مفرغة تزيده اتكالاً على التقنية وتُضعف قدراته الذهنية الذاتية.
خطر أنظمة الملاحة وتشتيت التنبيهات
ووفقًا لصحيفة "ذا جارديان" البريطانية، تَكشف الدراسات العلمية المتراكمة أن الاعتماد المتواصل على أنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية (GPS) يتسبب في تقلص قوة المادة الرمادية في منطقة "الحُصين" في الدماغ، والتي تعتبر مركز الذاكرة.
ويرجع ذلك إلى أنّ الملاحة الرقمية تكتفي بتقديم توجيهات بسيطة لا تُحفز هذه المنطقة الحيوية، بعكس قراءة الخرائط الورقية وبناء مخططات جغرافية ذهنية.
وحذّر الدكتور أوليفر هاردت من جامعة ماكغيل من أن هذا الضمور يرفع خطورة الإصابة بالاضطرابات النفسية والاكتئاب، فضلاً عن التدهور المعرفي وأنواع من الخرف على المدى الطويل.
وتُصعّب التنبيهات والإشعارات المستمرة التشفير الصحيح للمعلومات داخل العقل؛ حيث تُوضح كاثرين بريس الكاتبة المتخصصة ومؤلفة كتاب "كيف تنفصل عن هاتفك"، أن قطع التركيز أثناء تجربة ما يمنع التغييرات الفيزيولوجية اللازمة لنقل البيانات من الذاكرة قصيرة الأمد إلى طويلة الأمد، وهو ما أثبتته تجريبيًا أبحاث الدكتورة باربارا ساهاكيان، أستاذة علم النفس بجامعة كامبريدج البريطانية.
ويُرجع الدكتور لاري روزن، أستاذ علم النفس بجامعة ولاية كاليفورنيا، هذا التشتت إلى آلية تطورية بدائية في الدماغ البشري تجعله يلتفت غريزيًا لأي صوت أو إشعار مفاجئ، ما يمنع تثبيت الذكريات.
أثر التقنية على الإبداع وسبل الوقاية
ويُمتد تأثير "فقدان الذاكرة الرقمية" ليطال القدرات الإبداعية؛ فالإبداع في جوهره يعتمد على ربط أفكار متباعدة تُشكل الذكريات مخزونها الأساسي.
وإذا تعطل تشكيل هذه الذكريات، تتراجع القدرة على ابتكار الأفكار، وهو طرح أيّده علماء بارزون مثل الدكتور إريك كاندل، عالم الأعصاب الحائز جائزة نوبل وأستاذ الفيزياء بجامعة كولومبيا في نيويورك، والدكتور دانيال شاكتر، أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد الأمريكية.
ولحماية الذاكرة والوقاية من هذه الآثار، يُوصي الخبراء باتباع خطوات عملية حازمة، أبرزها أسلوب "فترات الابتعاد عن التقنية" الذي يقترحه الدكتور لاري روزن من جامعة ولاية كاليفورنيا.
وفيما يتعلّق بهذا الأسلوب؛ يعمل الفرد على جهازه لفترة قصيرة، ثم يغلقه تمامًا لوقت محدد لزيادة التركيز تدريجيًا حتى الوصول لساعة كاملة.
وتنصح الكاتبة العلمية كاثرين بريس بالابتعاد المؤقت عن الهواتف لملاحظة استعادة الهدوء والصفاء الذهني بشكل ملموس.
