كيف يؤثر الاستخدام المفرط للهواتف الذكية على الدماغ؟
أظهرت دراسة عن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية أنه يرتبط بتغيرات واضحة في بنية الدماغ ووظائفه، خصوصًا في الدوائر العصبية المسؤولة عن معالجة المكافأة والتحكم التنفيذي وتنظيم العاطفة.
ونُشرت هذه النتائج في مجلة "Progress in Neuro-Psychopharmacology and Biological Psychiatry"، حيث أشار الباحثون إلى أن الجاذبية القوية لهذه الأجهزة قد تنبع من قدرتها على استغلال شبكات الإدراك الاجتماعي في الدماغ، ما يعزز العادات من خلال التغذية الراجعة الرقمية وتجنب الشعور بالعزلة الاجتماعية.
تأثير الاستخدام المفرط للهواتف الذكية على الدماغ
أوضحت الأبحاث أن الأشخاص الذين يستخدمون الهواتف الذكية بشكل مفرط يواجهون تغيّرا في بنية الدماغ، حيث ينخفض حجم المادة الرمادية في مناطق مهمة مثل القشرة الجزيرية والقشرة الحزامية الأمامية والقشرة الجبهية الحجاجية، وهي مناطق مسؤولة عن الوعي العاطفي واتخاذ القرار وتقييم المكافآت.
أما من ناحية الوظائف الدماغية، فقد بيّنت الدراسات أن هؤلاء الأفراد يعانون ضعفا في الاتصال العصبي داخل الشبكات المسؤولة عن الانتباه والتحكم التنفيذي.
وعند مواجهة مهام تحتاج إلى جهد معرفي كبير، يظهر لديهم نشاط أقل في مناطق التحكم الأمامي، ما يعكس صعوبة في ضبط الاندفاعات أو الحفاظ على التركيز.
في المقابل، عند التعرض لمؤثرات مرتبطة بالهواتف مثل الإشعارات أو الصور، يسجل الدماغ نشاطًا مرتفعًا في دوائر المكافأة، وهو نمط يشبه ما يحدث في حالات الإدمان.
دور الإدراك الاجتماعي في إدمان الهواتف الذكية
المراجعة العلمية أوضحت أن العوامل الاجتماعية تؤدي دورًا مهمًا في زيادة الاعتماد المفرط على الهواتف الذكية. فقد بيّنت بعض الدراسات أن التعرض لمواقف تشبه الرفض الاجتماعي أثناء فحص الدماغ يؤدي إلى نشاط أكبر في المناطق المرتبطة بالشعور بالألم النفسي لدى الأشخاص الذين يعانون من هذه المشكلة.
ويرى الباحثون أن الهواتف الذكية تعمل كوسيط مباشر بين نظام المكافأة والتفاعل الاجتماعي، ما يجعل الدماغ أكثر حساسية للتوقعات الاجتماعية وردود الفعل الرقمية.
ولفهم هذه النتائج بشكل أدق، استعان العلماء بنموذج "I-PACE" الذي يوضح أن السلوكيات الإشكالية تنشأ من تفاعل بين العوامل الفردية، مثل الاستعداد الشخصي، والحالة العاطفية، وقدرة الفرد على التحكم في نفسه.
واقترح الباحثون تطوير هذا النموذج ليشمل أيضًا دور المكافآت الاجتماعية والتغذية الرقمية في تكوين العادات السلوكية.
وأكدت الدراسة أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية لا يرتبط فقط بضعف الإرادة أو طول الوقت أمام الشاشة، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل.
من أبرز هذه العوامل الحساسية العالية تجاه المكافآت، ضعف القدرة على التحكم في السلوك، والقابلية العاطفية، إضافة إلى بعض التحيزات الفكرية التي تظهر في البيئات الاجتماعية الرقمية.
وتشير النتائج إلى أهمية تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أكثر فاعلية، تعتمد على فهم أعمق للآليات العصبية والنفسية التي تجعل الاستخدام غير الصحي للهواتف الذكية يستمر ويصعب السيطرة عليه.
