من "سألوني الناس" إلى "كيفك إنت".. روائع فيروز التي حملت بصمة زياد الرحباني
في الذكرى الأولى لرحيل زياد الرحباني، التي تحل اليوم 26 يوليو 2026، لا يبدو استحضار اسمه بحاجة إلى مرثية طويلة، فموسيقاه لا تزال حاضرة في واحدة من أكثر التجارب الفنية تميزًا في العالم العربي: صوت فيروز وهو يغني ألحانه.
على مدار ما يقرب من أربعة عقود، صنع زياد مع والدته ثنائيًا فنيًا استثنائيًا، لم يكتفِ بإنتاج أغنيات ناجحة، بل ابتكر مساحة موسيقية خاصة التقت فيها رهافة صوت فيروز مع حساسيته الموسيقية المختلفة، وقراءته العميقة للحب والمدينة والوطن والغياب.
سألوني الناس.. البداية التي ولدت من الغياب
في خريف عام 1973، غنت فيروز للمرة الأولى من ألحان ابنها زياد، في أغنية "سألوني الناس"، التي قدمتها ضمن مسرحية "المحطة".
جاءت الأغنية في وقت كان فيه عاصي الرحباني مريضًا وغائبًا عن المسرح، لتصبح كلمات منصور الرحباني تعبيرًا عن ألم الغياب، فيما منحها زياد لحنًا يحمل حساسية خاصة.
المفارقة أن اللحن لم يُكتب أساسًا لهذه الأغنية، إذ كان زياد قد وضعه لعمل آخر مع الفنان مروان محفوظ، قبل أن يجد منصور الرحباني فيه ما يناسب كلمات الأغنية وأجواءها العاطفية.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد التعاون بين فيروز وزياد مجرد امتداد لتجربة الرحابنة، بل أصبح مسارًا فنيًا قائمًا بذاته.
أعمال جمعت فيروز وزياد الرحباني
في عام 1979، جاءت "وحدن" وسط الحرب الأهلية اللبنانية، فبدت كأنها أغنية خرجت من قلب الفقد. لم يكن لحن زياد بحاجة إلى استعراض موسيقي، إذ ترك مساحات واسعة للصمت والإحساس، لتغني فيروز عن الغائبين وكأنها تنادي كل من فقدتهم الحرب.
وبعد سنوات، وتحديدًا عام 1984، ظهرت "لبيروت" ضمن ألبوم "معرفتي فيك"، الذي حمل للمرة الأولى رؤية زياد الرحباني الموسيقية بصورة أكثر وضوحًا.
كتب جوزيف حرب كلمات الأغنية، بينما استند لحنها إلى "كونشيرتو دي أرانخويث" للموسيقار الإسباني خواكين رودريغو، ليعيد زياد صياغة العمل بتوزيع موسيقي هادئ يترك لصوت فيروز المساحة الأكبر.
وفي زمن انقسمت فيه بيروت بين المتاريس، بدت "لبيروت" أكبر من أغنية؛ رسالة تتجاوز الانقسام، وتستعيد صورة المدينة الواحدة رغم كل ما أصابها.
كيفك إنت.. سؤال بسيط يخفي حكاية كاملة
ربما لا توجد أغنية تختصر العلاقة بين فيروز وزياد كما تفعل "كيفك إنت". وتروي الحكاية الشائعة أن زياد، بعد ابتعاده عن بيروت، عاد إليها بعد فترة، والتقى والدته مصادفة، فسألته: "كيفك إنت؟".
تحولت الجملة إلى بذرة أغنية، كتبها زياد وسجلها بصوته قبل أن يقدمها إلى فيروز. ومنذ ظهورها، بقيت الأغنية مفتوحة على أكثر من تفسير؛ هل هي حوار بين أم وابنها الغائب؟ أم رسالة من امرأة إلى حبيب ابتعد عنها؟
ربما تكمن قوتها في أنها لا تقدم إجابة واحدة، بل تترك لكل مستمع أن يجد قصته الخاصة فيها.
في "اشتقتلك"، قدم زياد واحدة من أكثر ألحانه سرعة وخفة، لكن الإيقاع المتحرك لم يخفِ ثقل الكلمات ومشاعر الاشتياق التي تحملها الأغنية.
أما "صباح ومسا"، فجاءت أكثر هدوءًا وتأملًا، وكأنها تتحدث عن الحب حين يتحول إلى عادة يومية وذكرى لا تغادر. صدرت الأغنية عام 2001 ضمن ألبوم "ولا كيف"، لتصبح واحدة من أبرز محطات التعاون بين فيروز وزياد.
إيه في أمل.. آخر الأسئلة المفتوحة
في عام 2010، عادت فيروز بألبوم "إيه في أمل"، الذي حمل واحدة من آخر الذكريات الفنية الكبرى التي جمعتها بزياد الرحباني.
اختيار الأغنية الرئيسية عنوانًا للألبوم لم يكن عابرًا؛ فالسؤال نفسه بدا شبيهًا بمسيرة الثنائي، التي ظلت تبحث عن الأمل وسط الحروب والغياب والانكسارات.
وبعد رحيل زياد، تبقى أعماله مع فيروز أكثر من مجرد أغنيات قديمة؛ إنها ذاكرة كاملة، تتغير دلالاتها مع الوقت، لكنها لا تفقد قدرتها على الوصول إلى المستمع.
وبين "سألوني الناس" و"كيفك إنت" و"وحدن" و"لبيروت"، ترك زياد الرحباني بصمته في صوت فيروز، وترك لصوته الموسيقي حياة أخرى لا تنتهي برحيله.
