هل تنام والتلفاز مفتوح؟.. إليك ما قد يحدث داخل جسمك
قد يبدو المشهد مألوفًا للكثيرين؛ يوم طويل ينتهي على الأريكة أو في السرير، وصوت التلفاز يعمل في الخلفية بينما تتثاقل الجفون تدريجيًا، بالنسبة للبعض، لا يكتمل النوم إلا مع ضوء الشاشة وأصوات الحوارات المتداخلة، لكن ما يمنح شعورًا بالراحة في تلك اللحظات قد يحمل تأثيرات أعمق بكثير مما نتصور.
خلال السنوات الأخيرة، بدأت الأبحاث العلمية في تفكيك العلاقة بين الضوء الليلي وجودة النوم والصحة العامة، والمفاجأة أن الأمر لا يقتصر على الشعور بالإرهاق في صباح اليوم التالي، بل يمتد إلى تأثيرات ترتبط بالوزن والتمثيل الغذائي وحتى التوازن الهرموني داخل الجسم.
كيف يرتبط التلفاز بزيادة الوزن؟
وتشير دراسات حديثة إلى أن النوم في غرفة مضاءة، خصوصًا مع تشغيل التلفاز، قد يرتبط بزيادة احتمالات اكتساب الوزن على المدى الطويل.
إحدى أبرز الدراسات التي أجراها الدكتور ديل ساندلر من المعهد الوطني لعلوم الصحة البيئية الأمريكية تابعت أكثر من 43 ألف امرأة تتراوح أعمارهن بين 35 و74 عامًا لمدة بلغت في المتوسط 5.7 سنوات، وركزت الدراسة على عادات الإضاءة أثناء النوم، سواء في الظلام الكامل أو مع وجود مصادر مختلفة للضوء داخل الغرفة.
والنتائج كشفت أن النساء اللواتي اعتدن النوم مع تشغيل التلفاز أو وجود إضاءة ساطعة كن أكثر عرضة بنسبة 17% لزيادة وزنهن بأكثر من 11 رطلاً خلال فترة المتابعة، كما ارتفعت احتمالات إصابتهن بالسمنة بنحو 30% مقارنة بمن ينمن في الظلام>
وما منح هذه النتائج أهمية أكبر أن الباحثين أخذوا في الاعتبار عوامل عديدة مثل العمر والوضع الاجتماعي ومستوى النشاط البدني والعادات الغذائية وجودة النوم، ومع ذلك استمرت العلاقة بين الضوء الليلي وزيادة الوزن في الظهور بوضوح.
لماذا لا يبدو الضوء العادي بالمستوى نفسه من الخطورة؟
اللافت أن الدراسة نفسها لم تجد التأثير ذاته عند استخدام مصابيح ليلية صغيرة منخفضة الإضاءة، بل ظهر التأثير بشكل أكبر مع مصادر الضوء الساطعة والمتغيرة مثل التلفاز أو إنارة الغرفة الرئيسية.
ويشير ذلك إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بوجود الضوء، بل بطبيعته وشدته وتأثيره المستمر في الدماغ خلال ساعات يفترض أن يحصل فيها الجسم على الراحة الكاملة.
لم تتوقف النتائج عند دراسة واحدة، ففي عام 2023، نشرت مجلة "Sleep" دراسة جديدة دعمت الاتجاه نفسه، إذ وجدت أن الأشخاص الذين يتعرضون للضوء أثناء النوم ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بالسمنة بأكثر من 40%.
وعندما تصل فرق بحثية مختلفة، وفي أوقات متباعدة، إلى نتائج متقاربة، فإن ذلك يعزز فرضية وجود علاقة حقيقية بين التعرض للضوء الليلي واضطرابات الوزن.
ويرى الباحثون أن السبب المحتمل يعود إلى اضطراب الساعة البيولوجية، وهي النظام الداخلي الذي ينظم دورات النوم والاستيقاظ والعديد من العمليات الحيوية الأخرى داخل الجسم.
دور الميلاتونين في الاستعداد للنوم؟
ويبدأ الجسم في الليل بإفراز هرمون الميلاتونين الذي يساعد على الاسترخاء والاستعداد للنوم، لكن الضوء الساطع يرسل إشارات معاكسة إلى الدماغ، فيتراجع إنتاج هذا الهرمون.
ولا يقتصر دور الميلاتونين على تعزيز النعاس فقط، بل يرتبط أيضًا بتنظيم استهلاك الطاقة وآليات التمثيل الغذائي، لذلك فإن اضطراب إفرازه قد ينعكس على طريقة تعامل الجسم مع الدهون والسعرات الحرارية خلال فترات طويلة.
لا تتساوى جميع أنواع الضوء في تأثيرها على النوم. فالضوء الأزرق الصادر من الشاشات يعد الأكثر قدرة على إرباك الساعة البيولوجية.
وفي تجربة أجراها باحثون من جامعة هارفارد، قورنت تأثيرات التعرض للضوء الأزرق والضوء الأخضر لفترات متساوية.
وأظهرت النتائج أن الضوء الأزرق يثبط إفراز الميلاتونين لفترة أطول بنحو الضعف، كما يؤدي إلى تأخير إيقاع الساعة البيولوجية بدرجة أكبر.
بمعنى آخر، قد يكون جسدك مستلقيًا على السرير عند منتصف الليل، بينما يتعامل دماغك مع الوقت وكأنه لا يزال في ساعات المساء الأولى.
قد لا يبدو تشغيل التلفاز أثناء النوم عادة مقلقة للوهلة الأولى، لكن تراكم الأدلة العلمية يشير إلى أن هذه الراحة المؤقتة قد تأتي على حساب صحة طويلة الأمد.
وبينما يبحث كثيرون عن حلول لتحسين النوم أو التحكم في الوزن، ربما تكون الخطوة الأبسط هي الأقرب إطفاء الشاشة، وترك الظلام يؤدي المهمة التي صممها الجسم لأجلها منذ البداية.
