كسوة الكعبة المشرفة.. ثوب يتجدد كل عام في أقدس بقاع الأرض
ثمة أشياء لا تُقاس بالأمتار ولا بالخيوط، بل بثقل المعنى الذي تحمله. كسوة الكعبة المشرفة واحدة من هذه الأشياء النادرة التي يلتقي فيها الإتقان البشري بقيمة روحية لا مثيل لها.
وفي هذا العام، اكتملت داخل مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة بمكة المكرمة المراحل الأخيرة لصناعة الكسوة الجديدة، في مشهد يروي قصة متجددة عن الرعاية السعودية للحرمين الشريفين.
لا يتعلق الأمر بمجرد قطعة قماش تُنسج ثم تُرفع. ما يجري داخل هذا المجمع أشبه بطقس متكامل تتشابك فيه خبرة الأجيال مع أحدث تقنيات الصناعة، لينتج في نهاية المطاف ثوبًا يرتديه أقدس بيت على وجه الأرض.
التسلسل الهندسي لثوب البيت العتيق
يكشف رئيس قسم التجميع والخياطة، صلاح عبدالله السلمي، أن رحلة الكسوة تبدأ باستلام البطانة الداخلية المصنوعة من القطن الأبيض الخالص، إذ تُعدّ بعناية لكل جهة من جهات الكعبة الأربع.
بعدها تأتي مرحلة التثبيت على قماش الحرير المنقوش الذي تزدحم جنباته بالعبارات والزخارف الإسلامية المنسوجة في تكرارات بصرية متناسقة.
كل طيق من أطيق الكسوة قطعة حريرية بطول 14 مترًا وعرض متر واحد. تُجمَّع هذه الأطيق وفق تسلسل هندسي محسوب بدقة شديدة، لتتشكل أجزاء الثوب الكامل قبل تثبيتها على البطانة عبر عمليات الكينار والخياطة المتخصصة التي لا تحتمل أي مجال للخطأ.
استخدام الليزر في كسوة الكعبة
الجانب الأكثر إثارة في هذه المنظومة هو الماكينة التي تُنجز عملية الخياطة النهائية. يتحدث السلمي عن آلة تُعدّ من أطول ماكينات الخياطة في العالم، مزودة بأنظمة تحكم تعتمد تقنية الليزر لضمان دقة مسارات الإبر والخيوط بشكل مطلق. لا مجال للانحراف أو التذبذب، فما يخرج من هذه الآلة يجب أن يكون بمستوى المكانة التي صُنع لها.
هذا المزج بين الحرفية التقليدية والتقنية الحديثة لا يُمليه الترف الصناعي، بل تُمليه طبيعة العمل.
مراسم تغيير كسوة الكعبة
مع حلول مطلع العام الهجري 1448، انطلقت في رحاب المسجد الحرام مراسم الاستبدال السنوية. فريق متخصص من المجمع ذاته بدأ بفك المذهبات والقناديل، ثم انتقل إلى إنزال الكسوة القديمة بحذر بالغ، قبل أن يشرع في تركيب الحلة الجديدة المصنوعة من الحرير الطبيعي الخالص والمطرزة بأسلاك الذهب والفضة الحقيقية.
مشاهد لاستبدال كسوة #الكعبة_المشرفة.#واس pic.twitter.com/yxqXOqjFUd
— واس العام (@SPAregions) June 15, 2026
تُنجز هذه العملية الميدانية على مراحل متتالية ومحسوبة، إذ تُركب قطع الكسوة على الجوانب الأربعة للكعبة وفق تسلسل يضمن توافق القطع وتناسق خطوط الآيات القرآنية من كل اتجاه.
ووسط هذا العمل التقني والهندسي، كان الحاضرون من قاصدي الحرم يتابعون المشهد بدعاء خاشع وتكبير متصاعد.
حين انبلج فجر الأول من المحرم، ظهرت الكعبة المشرفة في ثوبها الجديد الأسود المطرز بذهب يلمع. ما بدا للناظر مجرد تغيير للكسوة هو في حقيقته خلاصة أشهر طويلة من العمل الدقيق داخل مجمع يعمل على مدار الساعة، ويضم كوادر وطنية متخصصة تحمل مسؤولية هذا الشرف.
