فن القيادة: كيف يدير التنفيذيون الوقت وضغط العمل واتخاذ القرار؟
نعرف الكثير عن الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات: قصص البدايات، محطات النمو، والقرارات التي غيّرت مسار شركات بأكملها.
هذه التفاصيل تُروى باستمرار، وتُقدَّم كدروس في الإدارة والنجاح. ومع ذلك، يظل جانب أقل ظهورًا في هذه الصورة؛ ما يحدث قبل الاجتماعات، خارج قاعات التفاوض، وفي الساعات التي لا تُكتب عنها التقارير.
هذه الأسئلة، رغم بساطتها، تفتح زاوية مختلفة لفهم القيادة، زاوية تتعلق بالطريقة التي يُدار بها الوقت والطاقة على أرض الواقع.
الروتين الصباحي لأشهر الرؤساء التنفيذيين
قبل أن يبدأ يوم العمل بما يحمله من قرارات متلاحقة وضغوط مستمرة، تتحدد ملامح الإيقاع اليومي لدى كبار التنفيذيين في الساعات الأولى من الصباح، حيث تتباين العادات وتختلف التفاصيل، بينما تلتقي في أثرها على مجريات اليوم.
ومن خلال النماذج الثلاثة التالية، يتضح أن الروتين الصباحي الناجح لا يخضع لقالب ثابت، ولكنه رغم ذلك يتقاطع في عدد من السمات المشتركة.
جيف بيزوس - Amazon
يفضل جيف بيزوس، مؤسس Amazon ورئيسها التنفيذي السابق، أن يبدأ يومه بوتيرة هادئة بعيدًا عن الاستعجال الذي يميز حياة كثير من كبار التنفيذيين.
في حديث أدلى به عام 2018، أوضح بيزوس أنه يخصص الساعات الأولى من الصباح لأنشطة بسيطة تمنحه شعورًا بالراحة والتركيز، مثل قراءة الصحف واحتساء القهوة وتناول الإفطار مع أطفاله.
بعد ذلك يتجه بيزوس إلى ممارسة الرياضة بشكل شبه يومي، وهو جزء أساسي من روتينه الصباحي.
ووفقًا لما ذكره خلال ظهوره في بودكاست Lex Fridman، فإنه يبدأ بنحو 30 دقيقة من تمارين الكارديو، ثم ينتقل إلى 45 دقيقة من تمارين المقاومة ورفع الأوزان.
وعندما ينتهي من هذا الروتين، يبدأ يوم العمل الفعلي. ويحرص بيزوس على ألا يُدرج أول اجتماع في جدول أعماله قبل الساعة العاشرة صباحًا، ما يمنحه وقتًا كافيًا للاستعداد الذهني والجسدي.
كما يفضل تخصيص ساعات ما قبل الظهر للقرارات والاجتماعات التي تتطلب أعلى درجات التركيز والتفكير العميق، مستفيدًا من الفترة التي يشعر فيها بأفضل مستويات الطاقة والإنتاجية.
إيفان شبيغل - .Snap Inc
يحرص إيفان شبيغل، الرئيس التنفيذي لشركة Snap Inc، على بدء يومه في وقت مبكر، حيث يستيقظ في الخامسة صباحًا ليخصص لنفسه فترة هادئة قبل انطلاق التزامات العمل.
تمتد هذه الفترة حتى السابعة صباحًا تقريبًا، ويستغلها في ممارسة أنشطة يختارها بنفسه، بعيدًا عن ضغط المهام اليومية.
وقد صرّح شبيغل في إحدى مقابلاته أن هذه الساعات تمنحه فرصة نادرة للتفرغ لنفسه، في وقت لا يزال فيه معظم من حوله خارج دائرة النشاط.
ومع اقتراب بداية يوم العمل، ينتقل تدريجيًا إلى متابعة مهامه؛ فيطّلع أولًا على التطبيق والبريد الإلكتروني لرصد أبرز المستجدات، ثم يتناول مشروبه الصباحي، قبل أن يتوجه إلى النادي الرياضي. هناك يقضي نحو 45 دقيقة في التمرين، ليبدأ يومه بعد ذلك بطاقة وتركيز أكبر.
مارك زوكربيرج - Meta
بخلاف كثيرين يفضلون إبعاد شؤونهم العملية عن متناول اليد في بداية اليوم، يتجه مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، مباشرة إلى منصاته الرقمية كأول محطة في روتينه الصباحي.
يبدأ يومه عادةً عند الثامنة صباحًا، وسرعان ما يطّلع على تطبيقات فيس بوك وماسنجر وواتساب من هاتفه، في متابعة سريعة لما يدور عبر هذه المنصات.
تستغرق هذه الجولة بضع دقائق في الغالب، مع قابلية للتمدد أحيانًا تبعًا لطبيعة الأحداث أو حجم التحديثات.
بعد ذلك، يحوّل تركيزه نحو النشاط البدني، وهو جانب شهد تغيرًا ملحوظًا مع الوقت. فبينما كان يعتمد سابقًا على الجري لعدة مرات أسبوعيًا، أعاد تقييم هذا الخيار، خصوصًا مع ما يفرضه من مساحة طويلة للتفكير، وهو ما لم يعد يفضله.
في المقابل، اتجه إلى أنشطة تتطلب حضورًا ذهنيًا وجسديًا كاملًا، مثل الفنون القتالية المختلطة والجوجيتسو.
ووفقًا لما ذكره في عام 2023، أصبحت هذه التمارين جزءًا أساسيًا من جدوله الأسبوعي بمعدل ثلاث إلى أربع مرات، إلى جانب تمارين القوة والمرونة، في روتين يعكس توجهًا أكثر تركيزًا وانضباطًا.
كيف يوزع القادة التنفيذيون ساعات العمل؟
عندما يتخيل كثيرون يوم الرئيس التنفيذي، فإن الصورة الذهنية المعتادة تكون لشخص يجلس في مكتب فاخر ويتخذ قرارات مصيرية على مدار اليوم. لكن الواقع الذي كشفت عنه الدراسات الميدانية يبدو مختلفًا إلى حد كبير.
بحسب دراسة أجرتها كلية هارفارد للأعمال تتبعت أكثر من 60 ألف ساعة عمل فعلية لعدد من الرؤساء التنفيذيين، فإن يوم القائد التنفيذي لا يُقسَّم على شكل مهام فردية معزولة، بل على شكل كتل زمنية تدور حول التواصل المستمر واتخاذ القرار.
وتشير النتائج إلى أن الجزء الأكبر من الوقت لا يُقضى في العمل الفردي، بل في الاجتماعات والتفاعل المباشر مع الآخرين. تستحوذ الاجتماعات وحدها على ما يقارب نصف أسبوع العمل تقريبًا، سواء كانت مع فرق الإدارة العليا أو الموظفين أو المستثمرين أو الشركاء الخارجيين.
أما الجزء المتبقي من اليوم، فيتوزع بين التواصل غير الرسمي، ومتابعة البريد والاتصالات، واتخاذ القرارات التنفيذية، إضافة إلى فترات محدودة نسبيًا للعمل الفردي أو التفكير الاستراتيجي العميق.
فيما يمتد نطاق مسؤوليات المدير التنفيذي إلى ما هو أبعد من متابعة الأداء المالي أو صياغة الخطط؛ إذ يشمل بناء شبكة علاقات معقدة وإدارتها باستمرار.
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى إدارة الوقت باعتبارها مجرد تنظيم جدول أعمال، بل كأداة استراتيجية لتحديد أين تُصرف طاقة القائد خلال اليوم.
أساليب اتخاذ القرار تحت الضغط
كفاءة القادة التنفيذيين تُختبر على نحوٍ حقيقي في اللحظات التي تتسارع فيها الأحداث وتضيق فيها مساحة الوقت المتاح للتفكير.
في مثل هذه الظروف، تصبح سرعة القرار عنصرًا حاسمًا قد يحدد اتجاه المؤسسة بالكامل خلال فترة قصيرة.
لذا، غالبًا ما يميل القادة الناجحون إلى الاعتماد على منهجيات واضحة بدلًا من الاكتفاء بالحدس، إدراكًا منهم أن القرار المتوازن لا يتطلب الإحاطة بكل التفاصيل بقدر ما يعتمد على فهم العناصر الأكثر تأثيرًا.
ولذلك يركزون على جمع الحد الأدنى من المعلومات التي تمنحهم صورة كافية للتحرك، مع الحفاظ على جاهزية دائمة لتعديل القرار إذا تغيرت المعطيات.
ولكن الأمر لا يقتصر على الجانب التحليلي فقط، إذ يبرز البُعد النفسي كعامل مؤثر في جودة القرارات تحت الضغط، حيث الحفاظ على هدوء الذهن يمنح القائد قدرة كبرى على التقييم الموضوعي وتجنب ردود الفعل المتسرعة.
من هنا، يحرص كثير من القادة على تبني ممارسات تدعم هذا التوازن، مثل الرياضة أو التأمل أو تخصيص فترات للتفكير الهادئ، بما يساعدهم على الحفاظ على وضوح الرؤية حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا.
من زاوية أخرى لا يمكن إغفال دائرة الاستشارة، إذ يفضل كثير من التنفيذيين الاعتماد على عدد محدود من المستشارين الذين يتمتعون بالخبرة والقدرة على طرح رؤى مباشرة وواضحة، ما يساهم في تسريع الوصول إلى خيارات عملية.
العادات المشتركة بين كبار التنفيذيين
على الرغم أن مسارات كبار التنفيذيين قد تُظهر قدرًا كبيرًا من الاختلاف في التفاصيل، لكن عند الاقتراب من يومياتهم تظهر العديد من الملامح المشتركة.
هذه العادات لا تعني بالضرورة أنهم يتبعون النمط نفسه بشكل متطابق، لكنها تشير إلى مبادئ عامة تساعدهم على الحفاظ على مستوى أداء مرتفع لفترات طويلة.
- التعلم المستمر وتحديث المعرفة
في مقدمة هذه الأنماط يأتي التعامل مع المعرفة كعملية مستمرة، إذ لا يكتفي القادة بما لديهم من خبرات سابقة، بل يضيفون إليها بشكل دائم من خلال القراءة والمتابعة والتحليل.
ويعود ذلك إلى إدراكهم أن القيادة لا تعتمد على ما يعرفه الشخص اليوم، وإنما في قدرته على مواكبة التغيرات المستقبلية.
- النشاط البدني
تحتل الرياضة مكانة ثابتة ضمن نمط حياة عدد كبير من الرؤساء التنفيذيين، حيث يخصصون وقتًا منتظمًا للنشاط البدني.
لا يقتصر الهدف على الحفاظ على الصحة، بقدر ما يمتد ليشمل تحسين التركيز وتقليل التوتر ودعم القدرة على التحمل الذهني.
- روتين يومي منظم
يميل كثير من التنفيذيين إلى الاعتماد على روتين يومي واضح يقلل من عدد القرارات الصغيرة المتكررة خلال اليوم.
هذا التنظيم يساعد على تقليل استنزاف الطاقة الذهنية، ويمنحهم مساحة أكبر للتركيز على القرارات الأكثر أهمية.
- إدارة الوقت والانتباه
يركز هؤلاء القادة على جودة ما يتم إنجازه أكثر من كمية المهام. لذلك يحرصون على اختيار المهام ذات الأثر الحقيقي، وتقليل المقاطعات غير الضرورية، إلى جانب تخصيص فترات للعمل العميق والابتعاد عن الاجتماعات غير المؤثرة.
- أهمية الراحة وجودة النوم
رغم الصورة الشائعة عن كبار القادة التنفيذيين بأن العمل يستهلك معظم وقتهم، فإن كثيرًا منهم يضعون الراحة والنوم الجيد ضمن أولوياتهم.
فالحصول على قدر كافٍ من النوم ينعكس بشكل مباشر على القدرة على التحليل واتخاذ القرار، ويؤثر بوضوح على جودة الأداء الذهني خلال اليوم.
كيف يديرون الاجتماعات عالية الكفاءة؟
تمثل الاجتماعات جزءًا كبيرًا من يوم الرؤساء التنفيذيين، إلا أن القادة الأكثر نجاحًا لا ينظرون إليها باعتبارها نشاطًا روتينيًا، بل كأداة يجب أن تحقق نتائج واضحة.
ولهذا السبب يحرص العديد من الرؤساء التنفيذيين على تحديد هدف واضح لكل اجتماع قبل انعقاده، فالاجتماع الذي لا يملك غاية محددة أو قرارًا مطلوبًا الوصول إليه غالبًا ما يتحول إلى هدر للوقت والموارد.
كما يفضل كثير من القادة إرسال جدول أعمال مسبق يوضح الموضوعات الرئيسة والنقاط المطلوب مناقشتها، ما يسمح للمشاركين بالاستعداد بشكل أفضل ويجعل النقاش أكثر تركيزًا.
ومن الممارسات الشائعة كذلك تقليل عدد الحاضرين إلى الحد الأدنى الضروري، إذ كلما ازداد عدد المشاركين ارتفعت احتمالات التشتت وإطالة النقاش دون تحقيق نتائج ملموسة.
لذلك تميل القيادات التنفيذية الناجحة إلى دعوة الأشخاص المرتبطين مباشرة بالموضوع المطروح فقط، مع منحهم صلاحية المساهمة الفعلية في اتخاذ القرار.
وبدلًا من استهلاك الوقت في عرض بيانات يمكن إرسالها عبر البريد الإلكتروني، تُوجَّه الاجتماعات غالبًا إلى القضايا التي تحتاج إلى نقاش مباشر أو قرارات حاسمة، ما يساهم في تسريع العمل وتقليل عدد الاجتماعات غير الضرورية.
تطبيقات الإنتاجية الأكثر استخدامًا
مع تضخم حجم البيانات وتعدد قنوات التواصل، لم يعد الاعتماد على الذاكرة أو المتابعة التقليدية كافيًا لإدارة يوم تنفيذي مليء بالتفاصيل.
في هذا السياق، تندمج التطبيقات الرقمية داخل نمط العمل نفسه، لتعمل كأدوات تنظيم تضبط الإيقاع وتمنح رؤية أوضح لما يحدث على مدار اليوم.
من هنا يظهر التقويم الرقمي كعنصر محوري في هذه المنظومة، حيث يُستخدم لتقسيم اليوم إلى مساحات زمنية دقيقة، لكل منها غرض محدد.
بهذه الطريقة، تتحول المواعيد من عناصر متراكمة إلى خطة مرئية يمكن التحكم فيها، مع مساحة محسوبة لكل نشاط، سواء كان متعلقًا بالتشغيل اليومي أو بالتفكير الاستراتيجي.
وعند الانتقال إلى العمل الجماعي، تبرز منصات التواصل المؤسسي كوسيط يختصر المسافات داخل الفرق.
باستخدامها، تدفق المعلومات يصبح أسرع وأكثر تنظيمًا، خصوصًا في البيئات التي تتوزع عبر أكثر من موقع جغرافي.
في موازاة ذلك، تعتمد كثير من المؤسسات على أنظمة إدارة المشروعات، التي تقدم صورة لحظية عن سير العمل، وتكشف نقاط التقدم والتعثر دون انتظار تقارير دورية.
لكن ورغم ما تقدمه هذه الأدوات والتقنيات من مزايا وتسهيلات للقادة والموظفين إلا أن الأداة الحقيقية للإنتاجية ليست التطبيق نفسه، بل النظام الذي يستخدم من خلاله.
فحتى أكثر البرامج تطورًا لن تحقق نتائج ملموسة إذا لم تكن مرتبطة بأهداف واضحة وآليات عمل منضبطة. ولهذا السبب تظل مهارات التخطيط والتنظيم وتحديد الأولويات هي الأساس، بينما تأتي الأدوات الرقمية لدعم هذه المهارات وتعزيز فعاليتها.
الدروس التي يمكن تطبيقها في الحياة المهنية
تبدو حياة الرؤساء التنفيذيين، للوهلة الأولى، بعيدة عن تفاصيل العمل اليومي لمعظم المهنيين، لكن عند تفكيك طريقة عملهم تظهر مجموعة أفكار يمكن نقلها بسهولة إلى أي مسار وظيفي.
واحدة من الإشارات التي تتكرر في تجاربهم تتعلق ببداية اليوم، هناك وعي واضح بكيفية الدخول إلى ساعات العمل الأولى، سواء عبر روتين ثابت أو أنشطة مهيئة للتركيز.
هذا الترتيب المبكر ينعكس على بقية اليوم من حيث وضوح الذهن والقدرة على التعامل مع المهام بهدوء أكبر.
وفي خضم الانشغال اليومي، تظهر معضلة يعرفها كثيرون: مهام عاجلة تملأ الجدول، مقابل أعمال أكثر أهمية تتأجل باستمرار.
هنا يتغير المنظور؛ الأولوية تُمنح لما يترك أثرًا حقيقيًا على المدى البعيد. إعادة ترتيب اليوم وفق هذه القاعدة يحدث فارقًا ملموسًا في سرعة التقدم المهني.
وما يميز القادة ليس ما يمتلكونه من معرفة فقط، بل استعدادهم المستمر لاكتساب الجديد ومراجعة ما اعتادوه، وهي سمة يمكن أن ترفع من كفاءة أي موظف في مختلف المجالات العملية.
حينما تجتمع هذه العناصر، تتشكل صورة أوسع: لا يوجد مسار واحد يقود إلى النجاح، بل مجموعة اختيارات تتكرر يوميًا وتراكم أثرها بمرور الوقت.
تنظيم اليوم، توجيه الانتباه، تطوير المعرفة، والقدرة على توزيع الجهد، كلها عوامل تصنع الفرق بشكل تدريجي، والأهم أن معظمها متاح لأي شخص يقرر البدء، مهما كان موقعه الحالي أو طبيعة عمله.
