الزهايمر في سن الـ 19.. لغز طبي يضرب شابًا صينيًا بلا إنذار
فكر في لحظة نسيت فيها اسم شخص قابلته للتو، أو أضعت مفاتيحك مرتين في يوم واحد.
ربما ابتسمت وقلت لنفسك: "أصبحت أنسى كثيرًا". لكن ماذا لو لم تكن هذه مجرد لحظة عابرة، بل بداية انهيار ممنهج للذاكرة، وأنت لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرك؟
هذا بالضبط ما عاشه شاب صيني لم يُكشف عن هويته، بدأت معاناته عام 2019 حين لاحظ صعوبة غير مألوفة في التركيز داخل الفصل.
القراءة باتت أمرًا شاقًا، والأحداث اليومية كانت تتبخر من ذاكرته قبل أن ينتهي النهار. كان يُخطئ موضع أغراضه باستمرار، وكثيرًا ما فشل في تذكر ما جرى في اليوم السابق.
بحلول عام 2022، حين وصل إلى عيادة الذاكرة في بكين، كان عمره تسعة عشر عامًا فحسب.
وبعد فحوصات مكثفة، خلص أطباء جامعة العلوم الطبية في العاصمة إلى تشخيص لم يتوقعه أحد: مرض الزهايمر، على الأرجح.
حالة أصغر مريض زهايمر
نتائج الفحوصات كانت مذهلة بكل معنى الكلمة. صور الدماغ أظهرت ضمورًا واضحًا في منطقة الحُصين، وهي المنطقة المسؤولة عن تشكيل الذكريات وتخزينها، وذلك وفقًا لدراسة نشرت في "مجلة الزهايمر".
كذلك كشف السائل النخاعي عن مؤشرات حيوية تتوافق تمامًا مع الزهايمر، المرض الذي يُعدّ الأكثر شيوعًا بين أشكال الخرف.
والأرقام هنا لا تحتمل التأويل: كان مستوى ذاكرته الفورية أدنى بنسبة 87% مقارنة بأقرانه في العمر، فيما انخفض مجموع درجاته الإدراكية بنسبة 82%.
هذا لم يكن مجرد ضعف في الحفظ، بل كان إخفاقًا شاملاً في منظومة الاسترجاع على المدى القصير والطويل على حد سواء.
الحالة أوقفت مسيرته الدراسية قبل أن يُنهي المرحلة الثانوية، رغم أنه ظل قادرًا على الاعتماد على نفسه في حياته اليومية البسيطة.
أسباب الإصابة بالزهايمر
ما يجعل هذه الحالة مثيرة للقلق حقًا ليس فقط صغر سن المريض، بل الغياب التام لأي تفسير مقبول؛ فمعظم حالات الزهايمر المبكر لدى من هم دون الثلاثين ترتبط بطفرات جينية موروثة، أبرزها طفرة جين PSEN1 التي تُسبب تراكم بروتينات سامة في الدماغ.
غير أن الفريق الطبي، بعد فحص جيني شامل، لم يعثر على أي طفرة من هذا النوع؛ لا في الجينات المعروفة، ولا في المجهولة منها، وعائلته خالية تمامًا من أي تاريخ مرضي مشابه.
كذلك استُبعدت الأسباب الأخرى المعتادة: لا إصابات في الرأس، ولا عدوى فيروسية، ولا أمراض مزمنة سابقة. كأن المرض ظهر من فراغ، بلا سابق إنذار ولا مسار مألوف.
وأعلن فريق الدراسة بقيادة الدكتور جيانبينغ جيا أن هذا "أصغر مريض يستوفي معايير التشخيص الاحتمالي للزهايمر دون طفرات جينية معروفة".
كيف يستهدف مرض الزهايمر ضحاياه؟
الحالة لا تُثير الدهشة وحدها، بل تُعيد طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام مرض واحد، أم أمام أسرة من الأمراض تحمل الاسم ذاته؟ الأطباء الذين رصدوا الحالة يرون أن استكشاف حالات الزهايمر المبكر قد يتحول إلى "أحد أعظم التحديات العلمية في المستقبل".
وما دام المرض يختار ضحاياه بمعزل عن القواعد المعروفة، فإن الفهم الحقيقي لآلياته لا يزال في بداياته.
كل حالة شاذة كهذه تقربنا خطوة من الصورة الكاملة، وإن كانت هذه الخطوة تُكلّف أحدًا ذاكرته كاملة.
