أبعد الثلاثيات في تاريخ NBA.. تسديدات كسرت حدود المنطق
الثلاثية في كرة السلة تحمل سحرًا خاصًا، فهي لحظة تجمع بين الدقة العالية وحسن التوقيت، وتُضيف إيقاعًا مختلفًا للعبة في ثوانٍ معدودة.
لهذا السبب، تظل هذه التسديدات من أكثر اللقطات التي تلفت انتباه الجماهير داخل الملعب وخارجه.
وفي هذا التقرير، نسلّط الضوء على مجموعة من أشهر وأبعد التسديدات في تاريخ NBA، لقطات لم تعتمد فقط على المهارة، بل كشفت أيضًا عن قدرة استثنائية على اتخاذ القرار في لحظات حاسمة.
أشهر التسديدات البعيدة
التسجيل من خارج القوس في كرة السلة يُعد إنجازًا بحد ذاته، خصوصًا أن المسافة تقارب 7 أمتار، وهي ليست بالسهولة التي تبدو عليها داخل ملعـب سريع الإيقاع.
غير أن بعض اللقطات في دوري كرة السلة الأمريكي كشفت عما هو أبعد من ذلك بكثير، حين نجح لاعبون في التسجيل من مسافات غير معتادة، متجاوزين الحدود التقليدية لهذه المحاولات.
زوران بلانينيتش - 23.47 متر
في بعض اللحظات، لا يحتاج اللاعب إلا لجزء من الثانية ليصنع فرقًا حقيقيًا. هذا بالضبط ما حدث خلال مواجهة نيو جيرسي نتس ويوتا جاز في 9 نوفمبر 2005، في لقطة ستظل عالقة في ذاكرة عشاق اللعبة.
قبل نهاية الربع الثالث بـ0.9 ثانية فقط، وصلت الكرة إلى زوران بلانينيتش في موقف لا يتيح أي مساحة للتفكير أو بناء هجمة منظمة.
كانت الخيارات شبه معدومة، لكن القرار جاء فوريًا: تسديدة مباشرة من مسافة هائلة تُقدَّر بحوالي 23.47 متر، وهي مسافة نادرة الاستخدام داخل مجريات اللعب الطبيعي.
خرجت الرمية بدقة كافية لتتحول إلى ثلاثية حاسمة رفعت النتيجة إلى 72-57 لصالح فريقه، وفي الوقت نفسه وضعت بلانينيتش ضمن قائمة أصحاب أطول التسديدات المسجّلة في تاريخ NBA.
اللقطة عكست قدرة استثنائية على التعامل مع لحظة شبه مستحيلة زمنيًا، وتحويلها إلى مكسب فعلي على أرض الملعب، وهو ما يمنح هذه الرمية قيمتها الحقيقية.
زائيري ويليامز - 24.08 متر
في 22 يناير 2023، كان فريق ممفيس غريزليز متأخرًا بنتيجة 87-69 أمام فريق فينيكس صنز، والفارق يعكس سيطرة واضحة على مجريات اللقاء.
في خضم هذا الوضع، التقط زائيري ويليامز كرة مرتدة سريعًا، وبدون تردد قرر إنهاء الهجمة بطريقة غير تقليدية.
تسديدة من مسافة هائلة وصلت إلى 24.08 متر، ارتطمت باللوحة الخلفية قبل أن تسقط داخل السلة، لتسجل واحدة من أبعد الرميات في تاريخ دوري السلة الأمريكي.
تأثير اللقطة التاريخية ظهر فورًا على أداء ممفيس؛ الفريق استعاد طاقته ورفع نسق اللعب بشكل ملحوظ، لينهي الربع الرابع متفوقًا على نظيره، في محاولة جادة لقلب مسار المباراة.
لكن، ورغم هذا الاندفاع المتأخر، تمكن فينيكس صنز من الحفاظ على تقدمه حتى النهاية، ليحسم اللقاء بنتيجة 112-110، بينما بقيت تسديدة ويليامز واحدة من أبرز لحظات المواجهة وأكثرها لفتًا للانتباه.
هيرب وليامز - 24.69 متر
بالعودة إلى ثمانينيات كرة السلة الأمريكية، وتحديدًا إلى مواجهة فريقي إنديانا بيسرز وساكرامنتو كينغز في 8 يناير 1986، تظهر واحدة من اللقطات التي احتفظت بقيمتها رغم مرور الزمن، لما تحمله من جرأة ودقة في آنٍ واحد.
أثناء اللعب، التقط هيرب وليامز كرة مرتدة، وفي حركة سريعة قرر إنهاء الهجمة بتسديدة بيد واحدة من مسافة وصلت إلى 24.69 متر، مسافة تقترب من امتداد الملعب بالكامل.
التنفيذ جاء مباشرًا دون تحضير معقد، والنتيجة كانت تسجيل واحدة من أطول الرميات التي شهدتها كرة السلة على الإطلاق.
هذه اللقطة بقيت حاضرة ضمن لحظات NBA المميزة، حيث جمعت بين السرعة في القرار والندرة في التنفيذ، لتمنح وليامز مكانًا واضحًا في سجل التسديدات الاستثنائية.
ليبرون جيمس - 25.30 متر
ننتقل الآن إلى أحد أساطير العصر الحديث في كرة السلة: ليبرون جيمس.
في 3 يناير من العام 2007، وخلال مواجهة كليفلاند كافالييرز أمام بوسطن سيلتكس، وصلت المباراة إلى نقطة حساسة مع اقتراب نهاية الربع الثالث، حيث كان الفارق محدودًا بين الفريقين.
في تلك اللحظة، تعامل ليبرون مع المباراة بأسلوب حاسم، مسجّلًا تسديدة بعيدة من مسافة 25.30 متر.
رمية بهذا الامتداد داخل سياق اللعب تُعد في حد ذاتها إنجازًا نادرًا، وتعكس جرأة استثنائية في اتخاذ القرار وتنفيذه في جزء من الثانية.
كذلك، امتد تأثير اللقطة إلى النتيجة النهائية، حيث أنهى كليفلاند اللقاء متقدمًا بنتيجة 107-104، وهو فارق يعكس أهمية هذه الثلاثية تحديدًا، التي لم تكن مجرد رقم ضمن الإحصائيات، بل نقطة فاصلة في مسار المواجهة.
ماجيك جونسون - 25.60 متر
نعود مرة أخرى إلى ثمانينيات القرن الماضي، ولكن هذه المرة مع واحدة من التسديدات التي رفعت سقف الممكن داخل الملعب لمسافة أبعد من المعتاد.
خلال مواجهة لوس أنجلوس ليكرز أمام دنفر ناغتس في 23 أبريل 1987، أطلق ماجيك جونسون تسديدة من مسافة 25.60 متر، رقم يعكس مدى جرأة المحاولة وصعوبتها في سياق اللعب الفعلي.
تلك الرمية لم تكن مجرد لقطة مميزة في مباراة، بل استقرت لسنوات كأطول تسديدة مسجّلة في تاريخ NBA، وهو ما يوضح حجم التفوق الذي حققته من حيث المسافة.
ومع تحطيم الرقم لاحقًا، لا تزال تحتفظ بمكانتها كثاني أطول رمية في تاريخ الدوري، لتبقى واحدة من أبرز الشواهد على قدرة ماجيك جونسون على تقديم لحظات خارج المألوف.
صاحب أطول ثلاثية في تاريخ NBA
بعد استعراض مجموعة من التسديدات التي بدت خارجة عن المألوف، نصل الآن إلى القمة، اللحظة التي تم فيها تسجيل أبعد ثلاثية في تاريخ دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين.
الرقم القياسي هنا يخص بارون ديفيس، أحد أبرز لاعبي جيله، والذي نجح في وضع بصمة استثنائية في هذه القائمة.
خلال مواجهة شارلوت هورنتس أمام ميلووكي باكس في 17 فبراير 2001، سجّل ديفيس تسديدة من مسافة مذهلة بلغت 27.13 متر.
هذا الرقم يضعنا أمام محاولة تقترب حرفيًا من المسافة الكاملة لملعب كرة السلة، الذي يبلغ طوله 28.65 متر، أي لم يكن يفصلها سوى نحو متر ونصف فقط.
بهذه المسافة، حجز بارون ديفيس المركز الأول كصاحب أطول ثلاثية مسجّلة في تاريخ NBA، في لقطة لا تزال حتى اليوم معيارًا لأقصى ما يمكن الوصول إليه من حيث البُعد والدقة داخل سياق اللعب الحقيقي.
أبرز اللاعبين في الثلاثيات
خارج إطار المسافات القياسية، هناك نوع آخر من التفوق يرتبط بالاستمرارية والدقة على مدار سنوات طويلة. هذا ما يقودنا مباشرة إلى اسم مثل ستيفن كاري، الذي صنع لنفسه مكانة استثنائية بفضل دقته المذهلة في التصويب الثلاثي.
رغم غيابه عن قائمة أطول الثلاثيات المسجّلة، يبقى كاري الرقم الأبرز حين يتعلق الأمر بإجمالي التسديدات الناجحة من خارج القوس.
النجم الأمريكي يتصدر قائمة الأفضل في تاريخ NBA بأكثر من 4200 ثلاثية، وهو رقم مستمر في الارتفاع، ما يعكس حجم الفارق الذي صنعه مقارنة ببقية اللاعبين.
ولفهم حجم الإنجاز بشكل أوضح، يكفي النظر إلى أقرب الأسماء في القائمة. جيمس هاردن، أحد أبرز المسجلين في تاريخ الدوري، يملك ما يقارب 3400 ثلاثية، وهو رقم ضخم بكل المقاييس، لكنه في الوقت نفسه يبرز مدى اتساع الفجوة التي صنعها كاري على القمة.
ما قدمته هذه الأسماء تجاوز حدود الإحصائيات، لينعكس بشكل مباشر على طريقة بناء اللعب وفلسفة الهجوم داخل كرة السلة.
مع هذا التحول، أصبح التصويب الخارجي عنصرًا رئيسًا في تشكيل الهجمات، واتجهت الفرق للاعتماد عليه كركيزة أساسية، وهو ما أعاد تشكيل ملامح اللعبة الحديثة بالكامل.
كيف تطورت مهارة التصويب؟
منذ اللحظة التي تم فيها اعتماد خط الثلاثيات رسميًا في NBA عام 1979، بدأت ملامح تغيير تدريجي في طريقة فهم اللعبة، خصوصًا على المستوى الهجومي.
في السنوات الأولى، ظل التصويب من خارج القوس خيارًا ثانويًا يستخدم على نطاق محدود، من دون أن يشكّل عنصرًا محوريًا في بناء اللعب.
غير أن هذه النظرة سرعان ما تغيّرت مع تطور التحليلات الرقمية وعلوم البيانات، التي أعادت صياغة طريقة تقييم كفاءة التصويب داخل الملعب. ونتيجة لذلك، ظهرت أفضلية واضحة للتسديدات الثلاثية باعتبارها الأعلى عائدًا تهديفيًا مقارنة بالتصويبات الثنائية التقليدية.
هذا الإدراك لم يبقَ في إطار النظريات، بل انعكس بوضوح على أرض الملعب، مع ارتفاع ملحوظ في عدد المحاولات من خارج القوس، وتحول مهارة التصويب إلى عنصر جوهري في تشكيل هوية الفرق، لا مجرد إضافة تكتيكية.
فيما امتد هذا التحول ليشمل طرق التدريب نفسها، حيث أسهمت التقنيات الحديثة في تطوير أداء اللاعبين، سواء من خلال تسريع إطلاق الكرة أو تحسين دقة اختيار مواقع التسديد، وهو ما انعكس على رفع مستوى الكفاءة بشكل عام.
