رحلة العطسة من الأعصاب إلى التطور وسر إغماض العينين
هناك لحظات يتوقف فيها كل شيء: الحديث، والتفكير، وحتى التنفس، لتحدث شيء واحد لا تملك له ردًا. العطسة من تلك اللحظات.
وفي أجزاء لا تُقاس من الثانية، يُعيد جسمك توزيع أولوياته بالكامل: تنقبض الرئتان، تشتد عضلات البطن، ويُطلق الهواء بسرعة تقترب من مئة كيلومتر في الساعة، كل ذلك لأن حبة غبار صغيرة قررت أن تزور أنفك بالخطأ.
لكن خلف هذا المشهد الصغير المُضحك، ثمة قصة تطورية عمرها ملايين السنين تستحق التوقف عندها.
لماذا نعطس؟
وفقًا لمراجعة علمية نُشرت في مجلة "Frontiers in Neuroscience"، تبدأ العطسة حين تلتقط مستقبلات حسية داخل الأنف إشارة خطر: غبارًا، أو حبوب لقاح، أو هواءً باردًا، أو فيروسًا، أو مجرد شعيرة تجاوزت حدودها.
وتنتقل هذه الإشارة عبر العصب ثلاثي التوائم، أحد أكبر الأعصاب الحسية في الوجه، وصولاً إلى ما يُعرف "بمركز العطس" في جذع الدماغ.
من هناك، تبدأ ما يشبه السيمفونية الجسدية: شهيق عميق، وإغلاق مؤقت للحنجرة، وارتفاع حاد في ضغط الهواء داخل الرئتين، ثم انفتاح مفاجئ يُطلق كل ذلك الهواء محملاً بالمخاط والجزيئات والجراثيم لتُقذف بعيدًا قبل أن تتمكن من التعمق في الجهاز التنفسي.
الجديد الذي تكشفه الأبحاث الحديثة هو أن العطسة لا تكتفي بطرد المُزعجين، بل تُعيد أيضًا توزيع المخاط على جدران الأنف بطريقة تُعزز قدرته على احتجاز الجسيمات الضارة وتخفيفها.
بمعنى آخر، العطسة ليست مجرد إخلاء طارئ، بل صيانة دورية لمنظومة المناعة في مدخلها الأول.
علاقة غلق العيون بالعطس
كثيرون سمعوا تلك القصة الطريفة: نُغمض عيوننا حين نعطس كي لا تندفع مقلتاهما للخارج. الحقيقة أن هذا التفسير لا أساس له تشريحيًا، العيون محاطة بعضلات ونسيج ضام وطبقات دهنية تُثبتها في مكانها بإحكام تام.
التفسير الأدق، وفق مراجعة نُشرت في "Current Allergy and Asthma Reports"، أن إغلاق العينين ليس وقاية من "الاندفاع"، بل هو جزء من البرنامج العصبي للعطسة ذاتها.
وحين يُفعّل جذع الدماغ دائرة العطس، لا تنشط عضلات التنفس وحدها، بل تنتشر الإشارة لتُحرّك عضلات الوجه أيضًا، ومنها العضلة الدائرية للعين المسؤولة عن إغلاق الجفن.
الأمر الأكثر إثارة هو أن هذا الإغلاق ليس مطلقًا. بعض الأشخاص يستطيعون إبقاء عيونهم مفتوحة جزئيًا حين يعطسون بجهد واعٍ، ما يُخبر العلماء أن الرابط موجود لكنه ليس صلبًا تمامًا خارج سيطرة الإرادة.
تفعيل الضوء لعملية العطس
نحو ربع البشر يُصابون بعطس مفاجئ لمجرد الخروج إلى ضوء شمس ساطع. هذه الظاهرة تحمل اسمًا علميًا رسميًا، وأيضًا اختصارًا غير رسمي طريفًا: متلازمة ACHOO.
لسنوات، ظنّ الباحثون أن المسألة مجرد "تشابك أسلاك" في جذع الدماغ بين دوائر البصر والعطس. لكن دراسة نُشرت في مجلة "PLOS One" أثبتت أن الأمر أعمق من ذلك.
حين عرض الباحثون أضواءً وامضة على مجموعتين، أشخاص يعطسون في الضوء وآخرون لا يفعلون، رصدت أجهزة تخطيط الدماغ فروقًا واضحة: المجموعة الأولى تُظهر استثارة أعلى في القشرة البصرية، تحديدًا في منطقة تُعالج الإشارات البصرية الواردة.
هذا يعني أن العطس الضوئي ليس مجرد منعكس بسيط، بل هو استجابة تُشرك مناطق دماغية عليا مسؤولة عن دمج الرؤية بالإحساس الجسدي، وهو ما يُفسر لماذا يشعر هؤلاء الأشخاص بوخز في أنوفهم مع الضوء، لا مع مُهيّج مادي حقيقي.
هل الإنسان فقط من يعطس؟
الكلاب والقطط والخيل والقرود والطيور وحتى بعض الزواحف تعطس بطريقتها. ما يجمعها هو الحاجة إلى جهاز تنفسي يعمل تحت ضغط، ومستقبلات حسية، ومسارات عصبية تُنسّق الاستجابة.
الأسماك في المقابل لا تعطس، لأن فتحات أنوفها ليست مسارات تنفسية، بل أعضاء شم فحسب.
والحشرات بعيدة أكثر: تتنفس عبر ثقوب جانبية وأنابيب داخلية لا تحتاج إلى مثل هذا الإخلاء.
الخلاصة التطورية هي أن العطس نشأ مع الحياة البرية وتحديات هواء مليء بالجراثيم والغبار.
