حين تصبح السيارة لوحة: رولز -رويس تسلّم مفاتيح الكالينان لفنان جرافيتي
تخيّل أنك تقف أمام سيارة تُكلّف أكثر من نصف مليون دولار، وحين تفتح بابها لا تجد الجلود الهادئة والخشب الأملس الذي اعتدته، بل تجد كونًا بأكمله رُسم بالأصباغ والطاقة وأحلام فيزيائية من عالم موازٍ.
هذا بالضبط ما صنعته رولز-رويس حين سلّمت مفاتيح كالينان بلاك بادج لسايريل كونغو، الفنان الذي بدأ حياته لاجئًا في باريس لا يُجيد الفرنسية، ووجد صوته على جدران المدينة قبل أن يجد طريقه إلى أعرق دور الفن والموضة في العالم.
وبحسب ما جاء في بيان الشركة عبر موقعها الرسمي، فإن هذا القرار يحمل أبعادًا تستحق التوقف عندها.
العلامة التي بنت شهرتها على الرصانة الأرستقراطية والأناقة البريطانية الباردة تختار فنان غرافيتي لتسليمه أغلى سياراتها. لكن ربما هذا هو الجمال الحقيقي في هذه القصة: حين تتخلى العراقة عن تحفظها وتقول بثقة: "هذا هو ما يبدو عليه الجمال اليوم".
كواليس تصميم سيارة رولز-رويس الفيزيائية
قبل ستة أشهر من بدء الإنتاج، أدمجت رولز-رويس كونغو فعليًا داخل فريقها الحرفي في غودوود. لم تكن دعوة رسمية بروتوكولية، بل كانت اندماجًا حقيقيًا: مكتبًا خاصًا به، ووصولاً كاملاً لأكثر من سبعين لون طلاء، ومشاركة حقيقية في كل مرحلة من التصميم حتى التنفيذ.
النتيجة كانت ما يسميه كونغو "الكونغوفيرس"، وهو كون مُتخيَّل تسكنه معادلات الفيزياء الكمومية وكواكب من صنع الخيال وأهرامات وذرات وشعارات رياضية.
هذا الكون هو ما تحوّل إلى الروح الداخلية لخمس سيارات بلاك بادج كالينان، واحدة لكل مقتنٍ، وكل واحدة منها مختلفة عن الأخرى بحسب الفرشاة وزاوية اليد وحالة الفنان في تلك اللحظة.
تصميم سيارة رولز- رويس كالينان بلاك الداخلي
الحلقة المركزية في هذا العمل كانت سقف الستارلايت الشهير، ذلك السقف الذي يضم 1344 من الألياف الضوئية التي تحاكي سماء ليلية.
لكن كونغو لم يكتفِ بما هو موجود، فرأى فيه "كونًا في حركة"، وأضاف إليه كواكب متخيلة من ابتكاره ومعادلات فيزيائية مرسومة بيده.
ما يجعل هذا العمل غير مسبوق أن الفنان لم يكتفِ بالرسم على السطح، بل جلس مع مهندسي رولز-رويس ليحدد يدويًا موضع كل "نجمة" ولونها.
كل نجمة عُدّت وعُلّمت بيده قبل أن يخترقها الحرفيون بيدهم. السقف النهائي يضم ثماني شهب ونجمة واحدة تمتد على طول السقف كاملاً في سابقة لم تفعلها رولز-رويس من قبل.
يصف الفنان عمله داخل السيارة بأنه "مثل الجاز، تتحرك لكن كل شيء يبقى متصلاً".
وهذا بالضبط ما تشعر به حين ترى التصميم الداخلي: المقصورة مقسّمة إلى أربع مناطق لونية، كل مقعد له هويته الخاصة: أحمر فينيكس لمقعد السائق، ومنديل تركواز للجانب الأيمن الأمامي، وأصفر فورج ومانداريني للمقعدين الخلفيين. هذا التقسيم ليس مجرد جمالية، بل هو منطق مرئي يشبه تأليف لوحة جدارية لا تزيين سيارة.
19 قطعة خشبية داخلية طُليت باليد، ثم جرى تغطيتها بعشر طبقات من الورنيش، وصُنفرت وصُقلت حتى حققت العمق الذي تتوقعه من رولز-رويس. لكن هذه المرة العمق لم يكن للخشب وحده، بل لأسلوب فني كامل.
مواصفات سيارة رولز- رويس الجديدة
قال كونغو: "أريد للناس أن يكتشفوا هذا العمل خطوة بخطوة، كلما استكشفت أكثر رأيت أكثر".
لهذا جاء الطلاء الخارجي بلون "كريستال أزرق فوق أسود"، تلمع فيه جزيئات زرقاء مضمّنة في الورنيش تظهر وتختفي تبعًا للضوء.
لكن التفصيلة الأكثر أصالة كانت الخط التزييني المتدرج، وهو الأول من نوعه في تاريخ رولز-رويس.
على الجانب الأيسر ينتقل اللون من الأحمر إلى الأصفر، وعلى الأيمن من المانداريني إلى التركواز، مع شعار "التاغ" الخاص بكونغو مدمجًا كنقطة توقيع داخل الخط.
حتى الفرامل وراء عجلات 23 بوصة لكل عجلة لون مختلف، تطابق ألوان المقصورة الداخلية في تناسق يمتد من الداخل إلى الخارج.
قصة الفنان سايريل كونغو
ما يجعل هذا التعاون يتجاوز مجرد "سيارة فاخرة نادرة" هو القصة التي تقف خلفه.
سايريل كونغو لم يأتِ من المدارس الفنية الرسمية، بل وصل إلى فرنسا لاجئًا ووجد في جدران المدينة لغة بديلة حين أعجزته اللغة المنطوقة.
ومن تلك الجدران إلى شراكات مع هيرميس وريتشارد ميل وكارل لاغرفيلد، ثم إلى مقر رولز-رويس في غودوود ليرسم على ما قد يكون أثمن قماش في تاريخ الفن التطبيقي.
المكاتب الخاصة لرولز-رويس في نيويورك وسيول وغودوود كانت نقطة البداية لهذا التعاون، حين رصد فريق العلامة شهية حقيقية لدى جيل جديد من جامعي السيارات الذين يريدون شيئًا مختلفًا جذريًا.
السيارات الخمس موزّعة بين جامعين حول العالم، وكل واحدة منها ليست نسخة ضمن مجموعة، بل هي عمل فني مستقل بتوقيع واحد وروح واحدة.
حين قال مدير التصميم دوماغوي دوكيك إن هذا التعاون "يمثّل الاندماج الكامل لعالمين إبداعيين لا يُخطآن"، لم يكن يُبالغ.
لأن ما يحدث هنا ليس مجرد "نسخة محدودة" من سيارة، بل حوار حقيقي بين حرفة عمرها أكثر من مئة عام وطاقة فنية لا تزال تحمل في أعماقها روح ذلك الشاب الذي وجد نفسه ذات يوم أمام جدار باريسي فارغ وقرر أن يملأه.
