لماذا يمتلك 2% فقط من البشر عيونًا خضراء؟
تخيّل أنك تقف أمام حشد من مئة شخص عشوائيين من مختلف أنحاء الأرض، فرصتك في رؤية عيون خضراء بينهم لا تتجاوز شخصَين أو ثلاثة في أحسن الأحوال.
هذا الرقم وحده يكفي لجعل العيون الخضراء من أندر السمات البشرية على الإطلاق، وليست مجرد تنوع جمالي عابر.
الصورة الأوسع تُوضح الفارق بجلاء: نحو 79% من البشر يحملون عيونًا بنية، وتحتل العيون الزرقاء المرتبة الثانية بنسبة تتراوح بين 8 و10%، في حين لا تتعدى العيون البنية البندقية (العسلية) حاجز 5%. أما الخضراء، فتجلس وحدها في قائمة الاستثناء.
ما الذي يصنع اللون الأخضر في العيون؟
الإجابة ليست في صبغة خضراء يحتويها العين، فلا وجود لها. اللون الأخضر الذي تراه ينبثق من تفاعل دقيق بين عاملَين: كمية الميلانين في القزحية، وطريقة تشتت الضوء داخل العين وهو ما يُعرف بتأثير رايلي.
العيون البنية تحمل ميلانينًا وفيرًا يمتص الضوء، والزرقاء تفتقر إليه، أما الخضراء فتقع في منطقة وسط دقيقة جدًا تجعل إنتاجها جينيًا أمرًا نادرًا.
ما يزيد الأمر تعقيدًا أن العيون الخضراء لا تستجيب لجين واحد بعينه، بل لمنظومة من التغيرات الجينية التي تتضافر معًا لتُنتج ذلك التوازن الحساس في الميلانين. هذا التشابك الجيني نفسه يُفسر ندرة انتشارها.
قبل نحو عشرة آلاف سنة، كانت العيون البنية هي الصورة شبه الحصرية للبشر.
التحولات التي أفرزت ألوانًا أفتح ارتبطت بانخفاض إنتاج الميلانين في المجتمعات التي استقرت في مناطق شمال أوروبا ووسطها، حيث يقلّ التعرض لأشعة الشمس.
والعيون الخضراء حتى اليوم تتمركز في تلك المنطقة بشكل رئيس، فنلندا وإيرلندا والدول الاسكندنافية تُسجّل أعلى معدلات الانتشار.
ثمة متغيرات جينية بعينها شاعت في تلك المجتمعات المعزولة نسبيًا، ثم انتقلت عبر الأجيال دون أن تنتشر بالقدر ذاته في بقية أنحاء العالم.
لماذا لم تنتشر العيوان الحضراء؟
السؤال الذي يطرحه علم البيولوجيا التطورية هو: إن كانت العيون الخضراء سمة جمالية جذابة، أفلا يُفترض أن يُسهم الاختيار في نشرها أكثر؟ الإجابة أن التطور لا يعمل بمنطق الجماليات وحده.
النادر لا يبقى نادرًا بالمصادفة، فالتوازن الجيني الدقيق المطلوب لإنتاج اللون الأخضر يجعل نقله عبر الأجيال أمرًا هشًّا، وأي خلل طفيف في كمية الميلانين يُحوّل العين نحو البني.
يُضاف إلى ذلك أن انتشار السمات الجينية يرتبط بحجم التجمعات البشرية وعزلتها الجغرافية، وهو ما تؤكده جغرافية العيون الخضراء اليوم.
ما يجعل قصة العيون الخضراء مثيرة ليس نسبة الـ2% بحد ذاتها، بل ما تكشفه هذه النسبة: أن التطور البشري رسم ملامحنا بدقة متناهية، وأن سمة بسيطة كلون القزحية تحمل في طياتها تاريخًا جغرافيًا وجينيًا يمتد لآلاف السنين.
