الحضور العربي في مهرجان كان 2026.. السينما العربية على السجادة العالمية
يُعد مهرجان كان السينمائي واحدًا من أكثر الفعاليات السينمائية انتظارًا على مدار العام، كونه نافذة أساسية ترصد تحوّلات السينما العالمية واتجاهاتها الجديدة.
وفي 12 مايو المقبل، تنطلق النسخة التاسعة والسبعون من المهرجان، لتستمر حتى 23 من الشهر نفسه، وسط ترقّب واسع من صنّاع السينما والنقّاد والجمهور على حدّ سواء.
وكالعادة، يطرح اقتراب موعد المهرجان سؤالًا يتكرّر عامًا بعد عام: كيف ستشارك السينما العربية؟ وما هو حجم حضورها ودورها في هذه الدورة؟ في السطور التالية، نحاول معًا الاقتراب من الإجابة، وقراءة ملامح المشاركة العربية في مهرجان كان 2026.
مشاركة العرب في مهرجان كان 2026
يواصل الحضور العربي مساره المتدرّج داخل مهرجان كان السينمائي لعام 2026، في سياق يعكس استمرارية الظهور على الساحة العالمية، وإن جاء هذه المرة بوتيرة أكثر هدوءًا.
مشاركة لا تعتمد على الكم، بقدر ما تعبّر عن حضور محسوب يرسّخ موقع السينما العربية ضمن المشهد الدولي.
تشهد دورة هذا العام مشاركة أفلام من دول مثل لبنان والمغرب وفلسطين، ضمن أقسام رسمية بارزة من بينها قسم "نظرة ما"، في مؤشر على اهتمام المهرجان بالأصوات القادمة من المنطقة، وبالرهانات الفنية التي تقدّمها هذه التجارب.
وبينما لا تزال المشاركة العربية بعيدة عن الزخم العددي، إلا أنها تظل دلالة على مسار تصاعدي بطيء ومستقر، يؤكد أن السينما العربية باتت جزءًا من الحوار السينمائي الدولي، وقادرة على فرض وجودها عبر الجودة والاختلاف، لا عبر الكثافة وحدها.
أبرز الأفلام العربية المشاركة
من المتوقع أن تفرض السينما العربية حضورها هذا العام من خلال مجموعة من الأفلام المميّزة التي تعكس تنوّع التجارب والرؤى القادمة من المنطقة.
تضم القائمة التالية أعمالًا ذات نكهة عربية، سواء كانت إنتاجًا خالصًا، أو تجارب مشتركة مع دول أخرى، أو أفلامًا يقودها مخرجون عرب ضمن سياقات إنتاج دولية.
- فيلم البارحة العين ما نامت
ضمن قسم "نظرة ما"، الذي يضم هذا العام خمسة عشر فيلمًا مختارًا من اتجاهات سينمائية مختلفة، يبرز الفيلم اللبناني–الفلسطيني "البارحة العين ما نامت" للمخرج ركان مياسي كواحد من الأعمال العربية اللافتة في مهرجان كان 2026.
الفيلم يأخذ المشاهد إلى أجواء مشحونة بالضباب والقلق داخل وادي البقاع، حيث يشكّل حادث غامض نقطة تحوّل تقلب استقرار مجتمع محلي مترابط ظاهريًا.
مع تصاعد التوتر، تبدأ طبقات خفية من الأسرار والأحقاد القديمة في الظهور، كاشفة عن علاقات معقّدة تحكمها التقاليد والضغوط الاجتماعية.
يقدّم الفيلم قراءة إنسانية عميقة لمصائر النساء داخل بيئة قاسية، تُفرض فيها القواعد أكثر مما تُناقش، ويصبح الصمت جزءًا من آلية البقاء اليومية.
شارك مياسي في كتابة السيناريو بالتعاون مع وحيد عجمي، فيما تولّى إنتاج العمل بالشراكة مع جينيفر ريتر، إلى جانب المخرج نفسه.
ويعكس اختيار الفيلم ضمن "نظرة ما" اهتمام المهرجان بالأعمال التي تشتغل على الهامش الاجتماعي والنفسي، وتقدّم سردًا سينمائيًا يعتمد على التوتر الداخلي والبناء التدريجي بدل المباشرة أو الخطاب الصريح.
- فيلم La Más Dulce
من لبنان إلى شمال إفريقيا، يسجّل الحضور العربي امتداده الجغرافي والفني في مهرجان كان هذا العام، مع مشاركة الفيلم المغربي La Más Dulce للمخرجة ليلى مراكشي ضمن القسم ذاته.
المشاركة تعكس تنوّع التجارب الآتية من المنطقة، وتؤكد حضور السينما المغاربية بوصفها جزءًا فاعلاً من هذا المشهد المتنامي.
الفيلم هو إنتاج مشترك بين المغرب وإسبانيا، في تجربة تبرز التعاون الإبداعي بين ضفّتي المتوسط، سواء على مستوى الإنتاج أو الرؤية السينمائية.
ويقود العمل طاقم فني تتصدره الممثلة نسرين الراضي، التي تحمل رصيدًا سابقًا من المشاركة في مهرجان كان من خلال أعمالها مع المخرج نبيل عيوش.
يعتمد La Más Dulce على طرح إنساني ذي طابع عاطفي، يسلّط الضوء على العلاقات والتقاطعات الثقافية، مقدّمًا حكاية محلية بروح عابرة للحدود، ومؤكدًا قدرة السينما المغربية على تقديم سرديات هادئة وقريبة من الإنسان، ضمن سياق فني دولي.
- فيلم In Search of the Green-striped Bird
هذه المرّة، يخرج الحضور العربي من إطار قسم "نظرة ما" لينتقل إلى فئة "نصف شهر المخرجين"، في استمرار لظهوره اللافت ضمن الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي.
ويأتي ذلك من خلال مشاركة المخرج المغربي‑الفرنسي سعيد حميش بفيلمه الوثائقي القصير In Search of the Green‑Striped Bird.
يقدّم الفيلم مسارًا بصريًا متفرّدًا، يتنقّل بين الشواطئ والأشكال المتغيّرة والروايات المفتوحة، في تجربة تقوم على الحركة الدائمة بين الجغرافيا والذاكرة.
هذا الأسلوب القائم على الترحال يمنح العمل طابعًا تأمليًا أقرب إلى السرد الشعري، حيث لا تُحكى الحكاية بشكل خطّي، بل تتشكّل عبر صور وإيحاءات تترك مساحة واسعة للتفسير.
وتؤكد مشاركة الفيلم ضمن "نصف شهر المخرجين" اهتمام هذه الفئة بالأعمال التي تجرّب خارج الأشكال التقليدية، وتمنح السينما الوثائقية بُعدًا فنيًا يتجاوز التوثيق المباشر، في سياق يضفي حضورًا عربيًا جديدًا قائمًا على الرؤية والأسلوب، لا على الموضوع وحده.
تطور السينما العربية عالميًا
خلال السنوات الأخيرة، شهدت السينما العربية تحوّلًا ملحوظًا في حضورها على الساحة العالمية، حيث لم يعد هذا الحضور محدودًا أو استثنائيًا، بل أصبح جزءًا متكررًا من برمجة مهرجانات كبرى مثل كان والأوسكار.
هذا التطور يعكس نضجًا تدريجيًا في التجارب السينمائية العربية، سواء على مستوى اللغة البصرية أو في طبيعة القضايا المطروحة.
كما بات المخرجون العرب يشاركون بفاعلية في تشكيل الحوار السينمائي العالمي، من خلال أعمال تتناول قضايا سياسية واجتماعية وإنسانية بعمق ووعي، بعيدًا عن الطرح المباشر أو الخطابي.
وبينما لا يزال الطريق مفتوحًا أمام مزيد من التوسع والتنوّع، فإن هذا الحضور المتنامي يؤكد أن السينما العربية لم تعد على هامش المشهد العالمي، بل أصبحت جزءًا من حراك سينمائي أوسع، يفرض نفسه بالجودة والرؤية.
أهمية المهرجانات في دعم الصناعة
لا تقتصر المهرجانات السينمائية الكبرى، وفي مقدمتها مهرجان كان، على كونها منصات للعرض والاحتفاء بالأفلام، بل تؤدي دورًا محوريًا في دعم صناعة السينما عالميًا.
فهي تشكّل فضاءات حيوية للتوزيع، والتمويل، وبناء الشراكات الدولية، وتفتح قنوات تواصل مباشرة بين صنّاع الأفلام والمنتجين والموزعين والمؤسسات الداعمة.
وفيما يخص السينما العربية، تمثّل هذه المهرجانات بوابة أساسية للانفتاح على السوق العالمي، سواء من خلال فرص الإنتاج المشترك، أو الوصول إلى جمهور أوسع، أو تحقيق حضور نقدي مؤثر.
ويتعزّز هذا الدور عبر منصات متخصصة، إلى جانب المبادرات والبرامج التي يقدمها مركز السينما العربية، والتي تسهم في دعم المشاريع العربية وربطها بشبكات صناعة القرار السينمائي على المستوى الدولي.
ضمن هذا الإطار، تصبح المهرجانات عنصرًا فاعلًا في تطوير الصناعة العربية، وذلك عبر توفير بيئة مستدامة تُتيح للأفلام أن تُنتَج، وتُموَّل، وتُشاهَد خارج حدودها الجغرافية، ضمن سياق صناعي حقيقي يعترف بها بوصفها جزءًا من المشهد السينمائي العالمي.
نجوم عرب على السجادة الحمراء
لا يزال مهرجان كان يشكّل نقطة جذب أساسية لنجوم وصنّاع السينما العرب، سواء من خلال العروض الأولى، أو الفعاليات المصاحبة، أو لحظات الحضور على السجادة الحمراء.
الحضور لم يعد طارئًا أو موسميًا، بل أصبح جزءًا متكررًا من مشهد المهرجان، يعكس اتساع مساحة الحضور العربي داخل الصناعة السينمائية العالمية.
وقد شهدت الدورات الأخيرة حضورًا لافتًا لنجوم من دول عربية مختلفة، من بينها مصر ولبنان والسعودية، في انعكاس واضح لتزايد تأثير المواهب العربية وتفاعلها مع المنصات الدولية الكبرى.
حضور يتجاوز البعد الاحتفالي، ليشير إلى شراكات فنية، وأعمال معروضة، ومشاركة فعلية في الحراك السينمائي الأوسع.
ومن المتوقّع أن تواصل نسخة هذا العام هذا الزخم، مع حضور عربي متجدّد على السجادة الحمراء، يؤكد أن الوجود لم يعد محصورًا في الأفلام وحدها، بل يمتد إلى الوجوه، والأسماء، والقصص التي باتت جزءًا من الصورة العالمية للسينما المعاصرة.
